الأخبار

الحرب دفعت السكان لاستخدام مياه ملوثة.. سوريا المنهكة تواجه الكوليرا وسط تحذيرات من كارثة صحية

شمال سوريا- لم تكد الكوادر الطبية في سوريا تلتقط أنفاسها من مواجهة جائحة كورونا، حتى باتت اليوم تحارب وباء الكوليرا الذي يهدد حياة الملايين من السوريين، في بلد أنهكته الحرب.

وأثارت تصريحات “منظمة الصحة العالمية” الأخيرة عن وجوب الاستعداد لـ”السيناريو الأسوأ” مخاوف السكان والسلطات الصحية بمناطق النفوذ الثلاث بسوريا، بعد أن حذر المدير الإقليمي للمنظمة أحمد المنظري، من دمشق، أول أمس الأربعاء، من تفشي مرض الكوليرا في سوريا.

واتخذ منحى الإصابات بهذا الوباء تطورا جديدا بعد أن باتت تصريحات المسؤولين الصحيين تتحدث عن آلاف الإصابات وعشرات الوفيات بسببه، خصوصا أن المرض كان محط تشكيك ونفي من سلطات النظام السوري، الذي ردّه إلى حالات إسهال تحصل بشكل مستمر في فصل الصيف.

يؤكد مسؤولو الصحة بمناطق سيطرة النظام وقسد أن المياه الملوثة هي المصدر الرئيسي للمرض وخاصة من نهري قويق والفرات (مواقع التواصل)

حلب وتلوث نهر قويق

وأعلنت وزارة الصحة في حكومة النظام السوري أول أمس، ارتفاع عدد الوفيات بالكوليرا إلى 23 حالة وفاة، بينها 20 في حلب، ووصل عدد الإصابات المثبتة إلى 253.

وقالت الوزارة في بيان عبر موقع فيسبوك، إنها سجلت 180 إصابة بالكوليرا في حلب، و29 في دير الزور، و25 في الحسكة، و13 في اللاذقية، و4 حالات في حمص، وإصابتين في دمشق.

ويُلاحظ من خلال الإحصائية أن معظم الإصابات والوفيات بالمرض سُجّلت في محافظة حلب شمالا، حتى أصبح معنيون بالشأن الصحي يصفون المدينة بأنها بؤرة لمرض الكوليرا.

وقال طبيب من حلب (رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية) إن مستشفى الرازي الحكومي بات يستقبل عشرات الحالات المشتبه بإصابتها بمرض الكوليرا، وإنه تحول إلى ما يشبه مركزا لعزل الحالات الخطرة.

وأضاف الطبيب -في حديث للجزيرة نت- أن مديرية الصحة وعددا من الأطباء حاولوا الإنكار والتعتيم على المرض في المدينة، لكن تفاقم أعداد المصابين والفحوصات المخبرية الأخيرة كشفت عن استفحاله ودفعتهم إلى الاعتراف بانتشاره.

وربط الطبيب ارتفاع عدد الإصابات في حلب من دون المحافظات السورية بالمياه الملوثة من نهر قويق في المدينة، الذي تحول منذ سنوات إلى مجرى للصرف الصحي ومكبا لنفايات المعامل والورش القريبة منه، مشيرا إلى أن العديد من المزارعين جنوبي حلب يعتمدون على مياهه لري مزروعاتهم ومحاصيلهم.

ولفت الطبيب إلى أن انقطاع المياه المستمر عن المدينة، دفع العديد من سكانها طوال سنوات الحرب إلى اللجوء إلى مصادر مياه غير موثوقة لتأمين مياه الشرب والغسيل، الأمر الذي ساهم في ظهور الإصابات، وفق قوله.

مياه الفرات

وفي مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” بشمال شرق البلاد، يقول العاملون في الشأن الصحي إن الإصابات بدأت بالانفجار بعد أن اقترب عدد الحالات المشتبه بها من 3 آلاف حالة، وتوفي 94 شخصا بالمرض.

وأكد الرئيس المشترك لهيئة الصحة في “الإدارة الذاتية” جوان مصطفى، أن التحاليل التي أُجريت على مياه نهر الفرات أثبتت وجود بكتيريا “ضمة الهيضة” المسؤولة عن مرض الكوليرا.

وخلال مؤتمر صحفي في القامشلي، حذر مصطفى من كارثة بسبب انخفاض منسوب المياه في نهر الفرات، وانقطاع المياه عن مدينة الحسكة.

وقال مصطفى، إن “أغلب الحالات التي راجعت المراكز الطبية تم علاجها وشفاؤها “نتيجة التدخل السريع للكوادر الطبية وتقديم العلاج المناسب للمرض”، وفق ما نقلته وكالة هاوار المقربة من “قسد”.

ووفق المسؤول الصحي، فإن 4 مناطق حاليا تعاني من انتشار المرض، هي ريف دير الزور الغربي ومدن الرقة والحسكة والطبقة.

مخاوف كبيرة

ورغم أن مناطق سيطرة المعارضة السورية تبدو نسبيا الأكثر استقرارا والأقل تسجيلا للإصابات بالكوليرا حتى هذه اللحظات، والتي بلغت إصابتين فقط في ريفي حلب والحسكة، فإن المخاوف تبدو كبيرة.

وقال وزير الصحة في الحكومة السورية المؤقتة مرام الشيخ، إن تعميما وجهته الوزارة إلى مؤسسات المياه ومديريات الصحة، بضرورة فحص مصادر المياه والتأكد من خلوها من عوامل الإصابة.

ولفت الشيخ -في حديث للجزيرة نت- إلى أن الوزارة بدأت حملة توعية واسعة في مناطق سيطرة المعارضة شمال غرب سوريا، لتوجيه الأهالي لكيفية التعامل مع المرض والإجراءات الوقائية لمنع انتشاره.

وبشأن استعدادات المستشفيات والمرافق الصحية، أوعز الشيخ إلى مديريات الصحة بضرورة تأمين أعداد كبيرة من المحاليل الملحية والمضادات الحيوية المستخدمة في علاج الكوليرا.

وطالب الوزير بتدخل منظمة الصحة العالمية لدعم المنطقة بالمضادات الحيوية وتأمين المحاليل الطبية ومراكز العزل، معتبرا أن مناطق سيطرة المعارضة تواجه تحديات كبرى، في وقت سارعت فيه الصحة العالمية لتزويد مناطق سيطرة النظام بالإمدادات العلاجية الخاصة بالمرض.

وضع مهيأ لانتشاره

وتبدو التجمعات السكانية الكبيرة لسكان المخيمات بالشمال السوري مصدرا للقلق، لا سيما أن الأهالي يعتمدون على مناهل مشتركة للحصول على مياه الشرب والغسيل، فضلا عن غياب الصرف الصحي في عدد منها.

والوضع في المنطقة مهيأ بشكل خاص لانتشار المرض بشكل كبير، وفق مدير فريق منسقو استجابة سوريا محمد حلاج، الذي أكد أن الوباء قد يصيب آلاف الأشخاص في حال انتشاره، وخاصة القاطنين في المخيمات، جراء نقص الغذاء والمياه النظيفة.

وكشفت هيئة الصحة في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا أول أمس الأربعاء، حصيلة انتشار الكوليرا في مناطقها، وذلك في مؤتمر صحفي عُقد في مدينة القامشلي.

وقال جوان مصطفى، الرئيس المشارك في هيئة الصحة، إنّ عدد حالات الاشتباه بالكوليرا بلغت 2867، والحالات المُثبتة 78 حالة، والوفيّات 16 حالة حتى اللحظة.

وذكر مصطفى أن المرض منتشر في الريف الغربي لدير الزور، الذي سُجّلت فيه أول حالة مُثبتة بالزرع الجرثومي، الشهر الماضي، وكذلك في الرقة والطبقة والحسكة.

وأشار مصطفى، إلى أن حالات الاشتباه تُعالج على أنها كوليرا، لأن الأعراض تُشير لذلك، رغم عدم التثبّت منها بالزرع الجرثومي.

وأشار بيان لوزارة الصحة التابعة للنظام إلى أنها اعتمدت بروتوكولا علاجيا موحّدا، لافتة إلى أنه متوفر بكافة أشكاله، “ويتم تعزيز وتزويد المشافي بمخزون إضافي من العلاجات والمستلزمات تحسبا لأية زيادة في أعداد الحالات المحدودة حتى الآن”.

وفي شمال سوريا، أعلن “برنامج الإنذار المبكر” تسجيل الإصابة الثانية بالكوليرا في مناطق سيطرة المعارضة، لمريضة تبلغ من العمر 23 عاما مقيمة بمنطقة رأس العين في ريف الحسكة، وذلك بعد ساعات من تسجيل إصابة في جرابلس بريف حلب.

وناشد البرنامج، الأهالي في الشمال السوري، اتباع تعليمات الوقاية من الإصابة بالكوليرا، ومراجعة أقرب مركز صحي في حال ظهور أعراض المرض لديهم.

School for visually impaired students in Idlib
أطفال سوريون على مقاعد الدراسة في إدلب (الأناضول )

آلاف الأطفال في دائرة الخطر

بدورها، حذرت منظمة “أنقذوا الأطفال” من أن آلاف الأطفال في شمال وشرق سوريا، معرضون للإصابة بمرض “الكوليرا” سريع الانتشار الناجم عن استخدام المياه الملوثة من نهر الفرات.

وقالت المنظمة إن ما لا يقل عن 24 شخصا توفوا بسبب “الكوليرا”، في حين أُبلغ عن عدة آلاف من الحالات المشتبه فيها بجميع أنحاء البلاد منذ 19 سبتمبر/أيلول الجاري.

وأشارت إلى أن انتشار الوباء يتزامن مع عودة الأطفال إلى المدارس، مما يعرض صحتهم وتعليمهم للخطر. مضيفة “يُفهم أن التفشي الحالي للمرض ناجم عن شرب المياه الملوثة”.

وأعلنت المنظمة عن تسليم وزارة الصحة بحكومة النظام السوري معدات طبية لدعم الاستجابة لتفشي مرض الكوليرا، في 19 سبتمبر/أيلول الجاري.

وتضمنت شحنة المعدات أدوية على شكل محلول يعالج الجفاف عن طريق الفم، بالإضافة إلى اختبارات تشخيصية سريعة، موضحة أن هذه المعدات تكفي لعلاج ألفي حالة إصابة حادة بالكوليرا، ونحو 190 ألف حالة إسهال خفيف، وأنها ستوزع بـ”التساوي وفق الاحتياجات” على عموم سوريا.

زر الذهاب إلى الأعلى