الأخبار

العملية “عوزي – سامبا”.. هل حاول الموساد تجنيد هيكل؟

القاهرة- أثار إعلان الموساد الإسرائيلي عن محاولة التواصل مع الكاتب المصري الراحل محمد حسنين هيكل، قبل أكثر من نصف قرن، تفاعلا واسعا داخل مصر، خاصة مع الجدل المستمر حول حقيقة تجسس أشرف مروان صهر الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر.

ومن خلال الملفات الاستخباراتية والدبلوماسية السرية في الأرشيف الإسرائيلي، التي تم رفع السرية عنها، شرح الصحفي أمير أورين تفاصيل ما سماه عملية التجنيد التي باءت بالفشل.

وقال الصحفي الإسرائيلي، خلال مقال بصحيفة “هآرتس”، إن ثمة عملية معقدة نفذها الموساد خلال ستينيات القرن الماضي، بهدف التقرب من هيكل الذي كان مؤثرا داخل دائرة صنع القرار في مصر.

وأضاف أن شخصية الصحفي المصري، الذي كان صديقا للرئيس الراحل جمال عبدالناصر، لم تكن ممن تغريهم الأموال، واستطرد “لا يوجد ما يشير إلى إمكانية ابتزازه.. كان وطنيا شرسا، ويشعر بالاستياء من قوة إسرائيل المتصاعدة”.

ورغم ما يشير إليه الجانب الإسرائيلي من فشل عملية تجنيد هيكل، فإن صدى المحاولة نفسها والكشف عنها في الوقت الراهن، أثار استفهامات عديدة بين ساسة وإعلاميين مصريين.

يأتي هذا في الوقت الذي لا تزال شخصية أشرف مروان تثير الجدل، وحقيقة عمله جاسوسا لمصر أم لإسرائيل، فضلا عن وفاته الغامضة في لندن عام 2007.

تفاصيل التجنيد

ووفقا للمقال، سعى جهاز الاستخبارات الإسرائيلية -من خلال وضع عملية مفصلة- إلى إقناع هيكل بإجراء لقاءات مع مسؤولين إسرائيليين أو زيارة تل أبيب.

ومن أجل تلك العملية سُخرت شبكة واسعة من رجال الاستخبارات في أثينا وجنيف ونيويورك وواشنطن ولوس أنجلوس وباريس وروما.

وعن الكيفية التي يمكن الوصول بها إلى هيكل، ناقش ضباط الموساد عدة مقترحات تدور كلها حول استخدام صحفيين أميركيين أو أوروبيين، فضلا عن أكاديمي أميركي وضابط شرطة مصري، وجميعهم لديهم علاقات بالصحفي المصري.

ووفقا لما نشرته هآرتس، استقر ضباط الموساد أخيرا على استغلال الصداقة بين هيكل والكاتب الأميركي روبرت سانت جون، ليكون الأخير وسيطا في عملية الإقناع. وتمت الإشارة إلى هيكل داخل ملفه في الموساد باسم “عوزي” بينما أشير إلى صديقه الأميركي جون باسم “سامبا”؛ لذلك سميت العملية باسم “عوزي – سامبا”.

وقال الصحفي الإسرائيلي إن الموساد أراد إتمام عملية الوساطة في مدينة نيويورك الأميركية على هامش زيارة هيكل مع الرئيس المصري للأمم المتحدة، في سبتمبر/أيلول 1960، لكنه غادر إلى مصر قبل إمكانية التواصل معه.

وكانت الخطة مرتبة بحيث يلتقي سانت جون مع هيكل، ثم يمهد لقاء مع عضو بعثة إسرائيل بالأمم المتحدة، ومن ثم لقاء عضو أعلى رتبة في حكومة بن غوريون، وهو موشيه دايان.

وبيّن المقال أن ملف الصحفي المصري في وثائق الاستخبارات الإسرائيلية، الذي يغطي الفترة من 1959 إلى 1960، لم يذكر الهدف النهائي من تلك الجهود، لكنه أورين رجح أن يكون الهدف هو تجنيد هيكل أو استخدامه للتأثير على سياسة القاهرة تجاه تل أبيب، أو على الأقل لتغيير مسار الرأي العام المصري المعادي لإسرائيل.

عقدة هيكل

في المقابل وعبر مقال حمل عنوان “عقدة هيكل في الأرشيف الإسرائيلي”، حاول رئيس التحرير السابق لصحيفة العربي الناصري عبدالله السناوي، أن يفند المزاعم بشأن محاولة إسرائيل التقرب من هيكل أو صناعته كجاسوس.

وقال السناوي إنه منذ صعود دور هيكل بجوار جمال عبدالناصر، أُخضعت كل كلمة كتبها لمتابعة وتحليل الاستخبارات الإسرائيلية لاستنتاج ما يفكر فيه رجل مصر القوي، مشير إلى أن الأمن القومي المصري كان القضية الأولى بالنسبة للصحفي الشهير، على حد قوله.

وأوضح السناوي ضرورة أن يكون ما نشرته هآرتس بخصوص هيكل قد خضع للمراجعة من جانب الموساد، حتى يأخذ التأثير مداه إلى حيث لا يتوقع أحد.

ورغم مراجعة الموساد للقصة المنشورة، فإن بناءها جاء مرتبكا ومتهافتا ولا يظهر الهدف النهائي منها، وفق رؤية الصحفي المصري ذي التوجهات الناصرية، معتبرا أن الصحفي الإسرائيلي “حاول ملء فراغات الرواية باستنتاج أن الموساد ربما فكر في تجنيده، أو استخدامه للتأثير على سياسة القاهرة تجاه إسرائيل، أو على الأقل تغيير مسار الرأي العام المعادي لتل أبيب”.

وقلل السناوي من قيمة الوثائق الإسرائيلية المنشورة قائلا “لا تقول شيئا يعتد به، مجرد تفكير من ضباط الموساد للاقتراب من هيكل لمعرفة كيف كان يفكر عبدالناصر”.

دور هيكل في الرؤية الإسرائيلية

ولإبراز دور هيكل في مشهد الصراع العربي الإسرائيلي، أشار الكاتب المصري إلى دراسة أعدها الأكاديمي الإسرائيلي المتخصص في الشؤون العربية والأفريقية “يو حاي بر سيلاع”، تتحدث عن دور هيكل في الصراع العربي الإسرائيلي، حيث اعتبرت أنه من بلور الرؤية العربية تجاه تل أبيب وصاغ الخطاب العربي الذي امتد أثره حتى الآن، وأكسبه عمقا ثقافيا ومعرفيا.

ووصف الأكاديمي الإسرائيلي هيكل بأنه صانع سياسات من طراز خاص ورئيس تحرير أسطوري حيث كانت الأهرام تحت قيادته أهم جريدة في العالم العربي، متابعا “علاقته مع عبدالناصر تجاوزت بكثير مجرد صداقة وطيدة بين صحفي وزعيم سياسي.. ومهارته المهنية الهائلة في فن الكتابة الصحفية أكسبته قوة استثنائية لدى الجمهور العربي، فكل ما يكتبه، كأنما قاله عبدالناصر بنفسه”.

كذلك أشارت الدراسة إلى آراء الكاتب المصري حول القضية الفلسطينية باعتبارها قضية مصيرية، انطلاقا من قناعاته بأن إسرائيل قاعدة عدوانية في خدمة الإمبريالية الغربية، ولديها مطامع توسعية على حساب الإنسان العربي.

واختتم السناوي مقاله باحتمالية أن يكون الموساد خطط لاغتيال هيكل وليس لتجنيده، قائلا “ربما هناك من حاول أن يصل إليه بالاغتيال في مرحلة ما، غير أن تلك مسألة تستدعي الوصول إلى الوثائق المخفية لعلها تبوح”.

نبش القبور

من جانبه، قال الروائي وعضو مجلس النواب يوسف القعيد، إن ما يزعمه الإسرائيليون بشأن محاولات التقرب من هيكل غير صحيحة وتعبر عن مشهد عبثي كونها محاولة لنبش القبور.

وخلال مداخلة هاتفية لبرنامج “حديث القاهرة” عبر فضائية “القاهرة والناس”، أضاف القعيد أن ملايين المصريين والعرب يعلمون جيدا موقف هيكل من الكيان الصهيوني الذي طالما اعتبره عدوا، مؤكدا أن موقفه العدائي لتل أبيب شكل خطرا على حياته بل وتعرض بسببه لكثير من المخاطر.

وأوضح أن الكثيرين تعرضوا لمثل تلك الادعاءات الكاذبة من جانب الكيان الصهيوني، مثل الأديب المصري الحائز على جائزة نوبل نجيب محفوظ.

مسيرة طويلة

في أوائل أربعينيات القرن الماضي، بدأ محمد حسنين هيكل حياته الصحفية كمراسل حربي بصحيفة “إيجيبشيان جازيت”، ومع بزوغ نجمه الصحفي انتقل للعمل بمجلة روز اليوسف ومنها إلى صحيفة أخبار اليوم، ولم يكد يبلغ 29 عاما حتى أصبح رئيسا لتحرير مجلة آخر ساعة.

وعندما تحرك ضباط بالجيش المصري لعزل الملك فاروق الأول في يوليو/تموز عام 1952، ليتقلدوا بدورهم السلطة، كان هيكل على موعد بتغيرات كبيرة في مسيرته، لينتقل من مرتبة الصحفي الماهر إلى مصاف الرجال الذين يؤثرون في صنع القرار بمصر.

ورغم موقعه القريب من دائرة السلطة حتى أن البعض اعتبره أحد محاورها، فإنه رفض المناصب الحكومية التي عرضت عليه، واكتفى برئاسة تحرير صحيفة الأهرام منذ عام 1957 حتى عام 1974، ولكنه قبيل وفاة عبدالناصر تولى منصب وزير الإرشاد “الإعلام”، وبعد وفاة صديقه ترك الوزارة.

خلال مسيرته مع الأهرام، صعد بالتوزيع لمعدلات قياسية وأسس مراكز بحثية متخصصة داخل المؤسسة الصحفية، مثل مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، ومركز تاريخ مصر المعاصر، ومركز الدراسات الصحفية.

ومع تولي الرئيس الراحل أنور السادات حكم البلاد، ظل هيكل واقفا على مسافته القريبة من السلطة إلى أن انتهت حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، حيث اختلف مع السادات حول التعامل مع نتائجها، وبلغ الخلاف ذروته بعقد اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979، إذ كان من المعارضين لها وسخر قلمه للتعبير عن آرائه، فتم اعتقاله ضمن قائمة الاعتقالات الشهيرة في سبتمبر/أيلول 1981.

لم يمضِ أياما كثيرة في المعتقل، وعندما خرج بعد اغتيال السادات في 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973، عاد إلى قلمه حتى اعتزل الكتابة المنتظمة والعمل الصحفي في سبتمبر/أيلول 2003، بعد أن أتم عامه الثمانين تاركا أرشيفا صحفيا ضخما وعشرات الكتب في الشأن السياسي.

وفي عام 17 فبراير/ِشباط عام 2016، رحل هيكل، الذي لُقب بعميد الصحفيين العرب، عن عمر يناهز 93 عاما غير أن أثره ما زال يثير الجدل بين الحين والآخر.

زر الذهاب إلى الأعلى