الأخبار

الغموض يكتنف قصة نشوءها.. ما البوذية وما أبرز أركانها؟ وهل هي ديانة أم فلسفة؟

تعدّ البوذية من كبرى الديانات الرئيسية عالميا، إذ تحتل المرتبة الرابعة من حيث عدد الأتباع، وهي تحظى بانتشار متزايد في الغرب لتوافُقها مع العلمانية، لكن قصة نشوئها وأساطيرها محفوفة بالغموض، ومبادئها في اللاعنف لا تصمد كثيرا أمام إغراءات السياسة.

نشأت البوذية في شمالي الهند على يد شاب يدعى سِدهارتا غوتاما، والذي ولُد في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، ولأسرة أرستقراطية هندوسية، فكان والده زعيما لقبيلة شاكيا التي تستوطن سفوح جبال الهيمالايا داخل حدود نيبال اليوم.

وتقول الأسطورة إن والدته تلقّت في المنام نبوءة أثناء حملها بأنه سيكون ذا شأن عظيم، وعند ولادته لاحظ والده علامات في جسده تتوافق مع النبوءة، فكان مؤهلا لأن يكون إما حكيما أو ملِكا عظيما، لذا حرص والده على تدريبه تدريبا عسكريا مميزا، مع إغراقه منذ طفولته بكل متطلبات الحياة الرغيدة، كي يصرفه عن الاحتمال الأول.

وبحسب الأسطورة، كان سِدهارتا ذكيا وفضوليًا وعميق التفكير، وبدا أنه أكثر اهتماما بفهم الكون من القضايا السياسية والعسكرية. وبعدما بلغ سن الشباب وتزوج وأنجب طفلا، خرج 4 مرات من قصور والده في جولات بالعربة، فالتقى بالمهمّشين الذين يكابدون الحياة.

رأى سدهارتا في المرة الأولى عجوزا، ثم مريضا، ثم التقى بجنازة أحد الموتى، وكان يعود إلى قصره في كل مرة ليتأمل في طبيعة الحياة، حتى رأى في المرة الأخيرة ناسكا متسوّلا، فقرر أن يختار لنفسه هذا الطريق، وكانت تلك هي بداية تحقق النبوءة التي حاول والده إبطالها.

غادر سدهارتا القصر ليبدأ طريق البحث عن معنى الحياة، وتلقى مبادئ التأمل من بعض النساك، فسبق كل المعلمين في بلوغ حالات الاستغراق التي يغيب فيها الوعي، ثم أخذ يجرب التقشف في حدوده القصوى، فكبَح كل شهوات جسده، واكتفى بملعقة طعام كل يوم، حتى شارف على الهلاك، فاقتنع أخيرا بضرورة اختيار “الطريق الوسطي” بين التقشف والرفاه.

راهب بوذي يصلي عند تمثال عملاق لبوذا في تايلند (الأناضول)

أسطورة التنوير

وفي إحدى الليالي، وبينما كان يمارس عادة التأمل تحت شجرة تين، اكتشف حالة اليقظة الكاملة التي كان يسعى إليها (التنوير)، والتي أطلق عليها “النيرفانا”، فيقال إنه رأى سلسلة الحيَوات السابقة التي كان يعيشها، ثم اكتسب بصيرة خارقة كشفت له رؤية ميلاد ووفاة كل الكائنات، وقبل طلوع الشمس، تلقى معرفة تؤكد له أنه قد تخلص من كل ما يدنس روحه ومن كل شهوات جسده إلى الأبد.

تقول الأسطورة إن سدهارتا ظل يفكر 7 أسابيع فيما يفعله بعد ذلك، ثم ألهمه أحد الآلهة بأن تعليم الناس هو الخيار الأمثل، فانطلق ليبشر بما تلقاه من “تنوير”، وقد أصبح اسمه بوذا أي المستنير، وسرعان ما آمن به 5 من أصدقائه ليشكلوا أول نواة للرهبنة، ثم اتسعت دائرة الأتباع ممن نجحوا في تكرار تجربة بوذا، لكن اللقب ظل حكرا عليه لكونه المكتشف الذي تلقاه بنفسه وليس تعليما من أحد.

ويقال إنه ظل ينشر تعاليمه في رحلاته بشمال الهند، حتى مات في سن الـ80، وهو في أقصى حالاته التأملية، ودخل بذلك حالة “النيرفانا” الخالدة.

ويجدر بالذكر أن سيرة حياة بوذا ليست مؤكدة، بل يشكك كثير من الباحثين في وجوده التاريخي، فالقصة ظلت متداولة شفويا ضمن أناشيد متوارثة يصعب التحقق من دقتها، وأقدم مدوناتها المؤكدة هو “قانون بالي” الذي كُتب في سريلانكا في القرن الميلادي الأول، وهناك نظريات كثيرة عن إقحام الأساطير في القصة الأصلية، كما يرى البعض أن سدهارتا كان نبيا يتلقى الوحي من السماء قبل أن تُحرف رسالته، وهي دعوى لا يمكن التحقق منها أيضا.

Buddhist monks pray during Vesak Day, an annual celebration of Buddha's birth, enlightenment and death at the Sewu temple in Sleman
رهبان يؤدون الصلاة أمام معبد تاريخي في مدينة سيلمان الإندونيسية (رويترز)

دين أم فلسفة؟

يحتل هذا السؤال صدارة النقاش عند التطرق للبوذية، فلو أخذنا بأبسط تعريف للدين وهو الإيمان بالخالق وعبادته، فالبوذية لن تكون دينا، إذ تُنكر وجود إله خالق، رغم إيمانها -كالهندوسية- بوجود عدد هائل من الآلهة.

لذا يعتمد بعض الباحثين على نظرية الأسكتلندي نينيان سمارت التي تحلل الدين إلى 7 أبعاد رئيسة، وهي البعد العملي الشعائري، والبعد العاطفي الشعوري، والبعد القصصي، والبعض العقائدي الفلسفي، والبعد الأخلاقي التشريعي، والبعد الاجتماعي المؤسسي، وأخيرا البعد المادي.

وعند تطبيق المعايير السابقة على البوذية، يمكننا دراستها على أنها دين متكامل الأركان، حتى لو كانت تنفي وجود خالق بالمعنى المتعارف عليه لدى الأديان الأخرى.

Giant reclining golden Siddharta Gautama Buddha in Chen Tien buddhist temple, Foz do Iguacu, Brazil.
تمثال عملاق لبوذا في البرازيل (شترستوك)

أهم التعاليم

في أول خطبة لبوذا، والتي تعد نقطة انطلاق هذه الديانة، تحدَّث عن 4 حقائق؛ لتُشكل أركان الدين الجديد، الأولى هي “المعاناة”، وتعني ضرورة فهم قيام الحياة الإنسانية على مبدأ المعاناة المتواصلة، منذ الولادة وحتى الممات.

والحقيقة الثانية هي “أصل المعاناة”، ومعناها أن الانسياق وراء الشهوات هو أصل المعاناة، وأن الجهل بهذه الحقيقة يولّد الشهوانية والحقد والوهم، ثم تتولد عن هذه الأصول كل الرذائل.

والحقيقة الثالثة هي “إيقاف المعاناة”، والتي تؤكد إمكانية كبح الشهوات، ومن ثم القضاء الكلي عليها.

أما الحقيقة الرابعة فهي “الطريق الذي يؤدي إلى إيقاف المعاناة”، وهو مؤلف من 8 مراحل، ويسمى بالدرب الثماني النبيل، وهي مصنفة بدورها داخل 3 فئات، فالفئة الأولى هي الحكمة التي تشمل الرؤية الصحيحة والعزم الصحيح، والثانية هي فئة الأخلاق التي تضم الكلام الصحيح والسلوك الصحيح والعيش الصحيح، وأخيرا فئة التأمل التي تشمل الجهد الصحيح والوعي الصحيح والتأمل الصحيح.

وبالنتيجة، يعتقد البوذيون أن من يلتزم بهذه التعاليم سيصل إلى مقام العصمة عن الخطأ والتخلص التام من الشهوات، وهذه غاية لا نجدها لدى الأديان الأخرى، فحتى الأنبياء والملائكة لا يبلغونها في اليهودية والمسيحية.

أطفال في مدرسة بوذية بالعاصمة السريلانكية كولومبو (الفرنسية)

الكارما والتناسخ

تعد “الكارما” من أهم عناصر العقيدة البوذية، ويمكن تلخيصها بأن كل ما يفعله الكائن الحي (إنسان أو حيوان) لا بد أن تترتب عليه عواقب، وهي تتوالد وتنمو إلى أن تنضج لتسقط على صاحبها، فيكون جزاؤه إما ثوابا وإما عقابا.

وبما أن العُمر قد يقصُر عن اكتمال دورة العدالة، فتأتي أسطورة تناسخ الأرواح لسدّ هذه الثغرة، إذ يتحتم على الكائن أن يُبعث مرة أخرى في جسد جديد لينال الجزاء الذي يستحقه.

ويعمل نظام الكارما وفق قانون طبيعي مستقل، فهو لا يخضع لإرادة إلهية، وهو نظام صارم ومتعدد الأوجه، فقد تتحدد من خلاله كل صفات الإنسان كالجمال والذكاء والعمر والثراء والمركز الاجتماعي، إذ يعتقد البوذي أن أي نقص يعتري حياته هو عقوبة لأخطائه التي ارتكبها عندما كان يعيش حياة سابقة لا يذكُر منها شيئا، والعكس بالعكس أيضا.

وقد تؤدي سلسلة التناسخ إلى أقصى درجات الانتكاس أو الارتقاء، فربما يعود في حياته التالية إلى جسد حيوان عقوبة له، أو يُكافأ على امتثاله للتعاليم الصارمة بأن يُبعث بعد موته على هيئة إحدى الآلهة، فيخرج بذلك من سلسلة التناسخ.

Funeral procession of Tsikey Chokling Rinpoche in Kathmandu
رهبان بوذيون يشيعون جنازة معلم للتأمل في دير بالعاصمة النيبالية كاتماندو (رويترز)

من الجحيم إلى الجنة

تُقسِّم البوذية الوجود إلى 6 عوالم، ومع أنها مصنفة طبقيا فإنها تُصوَّر في ترتيب دائري داخل “عجلة الحياة”، لأن الكائنات تدور بينها صعودا وهبوطا، وهذه العوالم مقسمة إلى درجات يصل مجموعها إلى 31 قسما.

نجد في الطبقة السفلى عالم الجحيم، وهو الذي تهبط إليه الكائنات الشريرة لتنال عقابها، وفيه من أشكال العذاب ما نجده تقريبا في وصف الجحيم لدى الأديان السماوية، وفوقه يوجد عالم الحيوانات، والذي يخشى البوذيون أن يولدوا فيه أيضا حتى لو كان خاليا من التعذيب، ثم يأتي عالم الأشباح التعيسة، وهم يطوفون حول عالمنا البشري ويتلقون عقابهم في السجن بانتظار الخلاص، أما العالم الرابع فهو عالم الجبابرة (الشياطين) الذين يعشقون الحروب ويعيشون أسرى لنزعات العنف.

في العالم الخامس يعيش البشر، وقد يولد فيه الإنسان مرة أخرى ليعيش في جسد جديد، مع اختلافات كبيرة في تفاصيل حياته وفقا لمنظومة الثواب والعقاب على ما اقترفه في الحياة السابقة.

أما العوالم التالية، من السادس وحتى الـ31، فهي منازل الآلهة (ديفا)، وهم ليسوا سوى أشخاص مثلنا أعيدت ولادتهم في ذاك العالم غير المادي بطبقاته الـ26، جزاء امتثالهم لتعاليم بوذا والتزامهم بالفضيلة، وقد تُعاد ولادة من يصل إلى هناك أيضا وينزل إلى العالم البشري، باستثناء من يصل إلى الجنات الخمس العليا فهي خاصة بغير العائدين، أي الذين لن يعودوا إلى أجساد بشرية.

ويعتقد البوذيون أن بوذا وصل إلى المستوى الـ31 عندما بلغ حالة اليقظة التامة “الاستنارة” (النيرفانا) تحت شجرة التين وهو في سن الـ35، ثم انتقل إليه ليخلد فيه عندما مات في الثمانين، أي أن بلوغ هذه الدرجة عبر تطبيق طريق الثماني والتأمل هو أمر ممكن في هذه الحياة، ولكن في تجارب مؤقتة فقط، ثم بعد الموت يحدث الانتقال النهائي إلى هذا العالم الخالد، في حالة ذهنية تتلاشى فيها فكرة العدم، وتُعرف باسم “الإدراك واللاإدراك”.

ويجدر بالذكر أن بوذا رفض المفهوم الهندوسي للإله (براهمان) وللروح (أتمان)، إذ كانت الهندوسية تؤمن بأن براهمان هو المُطلق الميتافيزيقي الذي انبثق عنه الكون، ولكنه ليس إلهًا مريدًا كما في الأديان السماوية، وأن أتمان هو الجزء الذي انبثق من براهمان وحلّ في جسد كل كائن حي. لكن بوذا اعتبر أن الكائن الحي مكوّن من جسد وأحاسيس ومعارف وطبائع ووعي، ولم يؤمن بوجود الروح، فالتناسخ ليس انتقالا للروح بل إعادة تشكل.

Vesak Day celebrations in Indonesia
تمثال ضخم لبوذا في وضعية التأمل منصوب عند مدخل معبد بجزيرة جاوة الإندونيسية (وكالة الأناضول)

تأليه بوذا

بعد رحيل بوذا بدأ الانقسام بين أتباعه، وظهرت طائفتان كبيرتان، ثم تشتتت كل منهما إلى طوائف أصغر سرعان ما اندثر معظمهما، إلى أن أصبحت طائفة الماهايانا هي الأكثر انتشارا، والتي تشكلت في غضون القرن الأول قبل الميلاد.

ظهر داخل الماهايانا مبدأ “البوديساتفا”، وهو لقب يطلق على الشخص الذي يتعهد بالعمل على مدار كل حيواته المتتالية على أن يقود الآخرين إلى النيرفانا، فانطلق بذلك دعاة البوذية للتبشير بها، وبرز فيها كهنة كبار، ثم ظهرت فكرة انتظار المخلص الآخر الذي سيظهر في نهاية العصر الحالي، واسمه مايتيريا، ليعيد دعوة الناس إلى التنوير كما فعل بوذا من قبل.

نشأت أيضا مفاهيم جديدة حول مصير بوذا، فاعتقد البعض أنه لم يرحل إلى العالم العلوي ويتركهم دون تواصل، بل انتقل إلى عالم سماوي ليعمل على منح السعادة للكائنات، وهكذا أصبح شبيها بالإله الذي يتقربون منه بالصلوات وتقديم القرابين.

Vesak Day celebrations in Indonesia
كهنة بوذيون في إندونيسيا خلال احتفالات يوم “فيساك” في 16 مايو/أيار الماضي الذي يعتقد أنه يوافق يوم ولادة بوذا وبلوغه التنوير ووفاته (وكالة الأناضول)

انتشار البوذية

في القرن الثالث قبل الميلاد، اعتنق إمبراطور الهند أشوكا موريا البوذية، وجعلها ديانة رسمية لمملكته بدلا من الهندوسية، ثم انتشرت بقوة في سريلانكا ونيبال وميانمار وتايلند وفيتنام وبوتان وكمبوديا وكوريا، لكنها اندثرت لاحقا في الهند لصالح الهندوسية والإسلام.

وفي الصين، تعثرت البوذية بسبب وجود الديانة الكونفوشية، التي تحثّ على توطيد العلاقات الأسرية والاجتماعية تحت سلطة الدولة، أما البوذية فكانت أشبه بحركة تمرد تشجع الشباب على الانعزال بحثا عن الخلاص الفردي، ورغم محاربة السلطة لها فقد انتشرت بين الصينيين لأنها قدمت لهم أجوبة على الأسئلة الوجودية، وهو ما لم يجدوه في دياناتهم المحلية.

مع ذلك، تداخلت البوذية مع ديانة الطاوية الصينية، ونشأ عنهما مذهب “تشان”، وهو الذي انتقل إلى اليابان في القرن الـ13 الميلادي ليتحول هناك إلى مذهب “بوذية الزن”.

Economic Crisis Protests Continue In Sri Lanka
رهبان بوذيون يشاركون في المظاهرات ضد الحكومة في سريلانكا خلال أبريل/نيسان الماضي (غيتي)

أما هضبة التيبت، على سفوح جبال الهيمالايا، فوصلت إليها البوذية في القرن الثامن، وتشكلت فيها طائفة التانترا، وهي مليئة بالتعاليم السحرية واستخدام التعاويذ والعزائم، كما أبدت تساهلا في العلاقات الجنسية التي قُدمت في إطار فلسفي روحاني، مع أنها تُعد من الشهوات التي يجب كبحها في البوذية الأصيلة.

وفي الغرب، تأخر اكتشاف البوذية إلى القرن الـ13، وظلّت محاطة بالأساطير المغلوطة، ثم بدأ الأكاديميون دراستها وترجمة نصوصها في القرن الـ18. ومع تزايد اهتمام الأوروبيين بالخوارق والسحر في القرن الـ19، ومع الانتشار السريع للجمعيات السرية والطوائف الباطنية، تزايد الاهتمام الغربي بالهندوسية والبوذية معا، لا سيما في ظل الاحتلال البريطاني للهند، وكذلك هجرة نحو نصف مليون بوذي من شرق آسيا إلى الولايات المتحدة، القوة الصناعية الصاعدة.

وبعد الحرب العالمية الثانية، وفي ظل انتشار أفكار التمرد واللاسلطوية (الأناركية)، وصعود نجم حركة “الهيبيز” وحركة العصر الجديد، سرعان ما أصبحت “بوذية الزن” بضاعة رائجة في الولايات المتحدة، وصار استخدام المخدرات وسيلة لبلوغ حالة النيرفانا، كما وجد بعض معلّمي البوذية فرصة لافتتاح مدارس التأمل وبيع المنتجات.

ومما شجع على انتشارها في الغرب، ظهور البوذية في صورة الفلسفة العقلانية العلمانية، لا سيما أنها تستبعد وجود الخالق، فالكثير من مدارس التأمل تتجنب الحديث عن العوالم الخفية وتناسخ الأرواح، وتكتفي بطرح فلسفة المعاناة وطريق الخلاص عبر مفاهيم عملية، وتُبرز الدراسات العلمية التي تثبت ما يحققه التأمل من نتائج إيجابية.

Buddhist monks host a chat show during a Facebook live at a temple in Bangkok
راهبان بوذيان من بانكوك يقدمان بثا مباشر على الإنترنت للمتابعين (رويترز)

من اللاعنف إلى الإرهاب

اشتهرت البوذية عالميا بثقافتها السلمية، إذ كان بوذا يقول إن الجنود الذين يُقتلون في المعارك يذهبون إلى الجحيم، وفُسر ذلك بأنه حتى الدفاع عن النفس يُعد خطأ، وقد طبّق هذه التعاليم الإمبراطور البوذي الأول أشوكا، بعدما ولغ في دماء أعدائه قبل اعتناقه لهذا الدين.

في القرن الثاني الميلادي، ظهرت تأويلات تسمح باللجوء للحرب في حال فشل الوسائل السلمية، كما سجّلت وثائق تاريخية سريلانكية تبجيل بعض الملوك لأنهم قادوا معارك مظفّرة ضد الهندوس.

وفي اليابان، أصبحت الأديرة البوذية خلال القرون الوسطى مؤسسات ثرية تمتلك الأراضي وتجنّد المحاربين لحمايتها، بل دمج مقاتلو الساموراي معتقدات “الزن” في مهاراتهم القتالية.

أما في العصر الحديث، فلم تعد البوذية أقل عنفا من غيرها، ففي الحرب العالمية الثانية شارك البوذيون في كل المعارك بحماس بالغ، وشاركوا أيضا في الحرب الكروية خلال الستينيات، وفي السبعينات تعالت أصوات كهنة بوذيين في تايلند وغيرها لإبادة الشيوعيين.

وفي ميانمار، حازت زعيمة المعارضة أون سان سوتشي على جائزة نوبل للسلام عام 1991، وصارت بطلة عالمية لفلسفة اللاعنف، كما تحدى أنصارها من الرهبان البوذيين المجلسَ العسكري الحاكم أثناء “ثورة الزعفران” عام 2007، وبعدما وصلت سوتشي للسلطة صُدم العالم بصمتها على تحريض بعض الرهبان الصريح للعنف ضد أقلية الروهينغا المسلمة.

Myanmar Buddhist monk Wirathu speaks at a rally against constitution change in Yangon
الراهب البوذي آشين ويراثو أصبح نموذجا عالميا يمثل “الإرهاب البوذي” بسبب تحريضه ضد الروهينغا (رويترز)

ومنذ عام 1999 وحتى اليوم، تقود حركة “969” البوذية القومية أعمال العنف الدموي ضد الروهينغا في إقليم أراكان بميانمار، وفي 2013 نشرت مجلة “تايم” الأميركية صورة الراهب البوذي آشين ويراثو على غلافها تحت عنوان “وجه الإرهاب البوذي”، ومع أنه سُجن ولوحق أكثر من مرة بسبب تطرفه الشديد، لكن المجلس العسكري الحاكم أطلق سراحه قبل عام من الآن، ليعود إلى ممارسة التحريض تحت شعارات بوذية.

وحتى المسيحيون من أقلية إثنية تشين في غربي ميانمار يتعرضون للضرب والإجبار على اعتناق البوذية، فالثقافة السائدة بين كثير من الرهبان هي “أن تكون بورميّا يعني أنك يجب أن تكون بوذيا”.

وفي سريلانكا، لعبت الشوفينية البوذية دورا كبيرا في توظيف المشاعر الدينية بين السنهاليين خلال الحرب الأهلية ضد نمور التاميل (الهندوس)، والتي انتهت عام 2009. وما زالت خطابات الكراهية تتصاعد هناك حتى اليوم.

وفي المحصلة، لم تستطع البوذية طوال تاريخها الطويل مقاومة نزعات التغيير والتبديل، فمنذ رحيل مؤسسها ما زال أتباعه يطوعون فلسفته للتوافق مع المستجدات والمصالح، حتى لو انتهى بهم الأمر إلى قلب بعض المبادئ إلى نقيضها.

زر الذهاب إلى الأعلى