الأخبار

المعضلة السكانية في الصين بين الأفواه والأيدى

الوضع السكاني للصين بات مثيرا لقلق القيادة الشيوعية في أكبر دول العالم سكانا، وتزداد المخاوف من أن البلاد تواجه أزمة ديمغرافية تلوح في الأفق مع تنامي العزوف عن الزواج، وتراجع نسبة الخصوبة، ومن ثم تناقص أعداد المواليد، مقابل زيادة عدد المسنّين.

وتظهر أحدث الحقائق المتعلقة بالهاجس السكاني، حسب البيانات الصادرة عن وزارة الشؤون المدنية الصينية الأسبوع الماضي، أن الصين سجلت العام الماضي (2021) أقل عدد من الزيجات منذ أكثر من 3 عقود.

وطبقا للبيانات الرسمية، انخفضت معدلات الزواج للعام الثامن على التوالي، وكان هناك 7.6 ملايين تسجيل زواج العام الماضي، وهذا أقل عدد منذ عام 1986، وهو العام الذي بدأت فيه الوزارة نشر الأرقام علنا، وفقا لصحيفة “غلوبال تايمز” التي تديرها الدولة، وشهد انخفاضا بنسبة 6.1% عن العام الذي سبقه (2020)، وفي الوقت نفسه يرتفع متوسط ​​عمر المتزوجين حديثا، حيث تراوح عمر نصف المتزوجين العام الماضي بين 30 عاما أو أكثر.

كما تظهر البيانات انخفاضا في عدد الصينيين الذين يتزوجون لأول مرة بنسبة 41%، فقد انخفض العدد من 23.8 مليونا في عام 2013 إلى 13.9 مليونا في عام 2019، وفقا لمكتب الإحصاء الوطني الصيني.

وتثير هذه الأرقام القلق المتزايد بين المسؤولين، حيث يختار الشباب، بخاصة جيل الألفية، عدم الزواج أو إنجاب الأطفال. ويقول الخبراء إن التأثير الضار على القوة العاملة المتقلصة بالفعل يمكن أن يكون له تأثير شديد على اقتصاد البلاد، واستقرارها الاجتماعي، ويرجع هذا الانخفاض في أحد أسبابه إلى عقود من السياسات المصممة على الحد من النمو السكاني في الصين.

أفواه وأياد

لطالما كان حجم سكان الصين قضية سياسية ساخنة، فعند تأسيس جمهورية الصين الشعبية في بر الصين عام 1945على يد الشيوعيين الذين حسموا الحرب الأهلية لمصلحتهم كان عدد سكان البلاد نحو 526 مليون نسمة، ولم تكن لدى الحكومة المشكلة حديثا أي نية لتنظيم النمو السكاني، فضلا عن تحديده.

ورأت القيادة الشيوعية حينئذ في عدد السكان الصينيين الكبير قوة للازدهار الاقتصادي، وعدّته أثمن رأسمال للبلاد، وعبّر الزعيم المؤسس ماو تسي تونغ عن تلك القناعة بقوله “إن كل طفل يولد له فم واحد لإطعامه لكنه لديه يدان للعمل”، ولذا شجع سياسة الزيادة السكانية.

لم تجد نظرية توماس روبرت مالتوس حول الزيادة السكانية، المعروفة بـ”المالتوسية”، مكانا لها في فكر القيادة الشيوعية الصينية في ذلك الوقت، ولم تتحمس لتفسير مالتوس لظاهرة تنامي الفقر ومشكلاته في العالم بتزايد أعداد السكان ونموها بمعدلات تفوق معدلات نمو المحاصيل الزراعية، مما سيؤدي إلى اختلال التوازن.

وعلى عكس ما ذهب إليه مالتوس في نظريته، كان العرض الكبير للقوى العاملة في الصين أحد المزايا الرئيسة لها في المنافسة العالمية التي نشأت بسبب خفض تكاليف تصنيع السلع، وقد عززت انتشار السلع والمنتجات الصينية في كل أنحاء العالم.

لم يرد ببال ماو أنه سيأتي زمان على الصين -أكبر دول العالم سكانا- ستصبح فيه مهددة بانخفاض عدد سكانها البالغ 1.4 مليار نسمة حاليا إلى النصف تقريبا (732 مليون نسمة) بحلول عام 2100، لتحل محلها الهند بسكانها الأكثر شبابًا إذا استمر معدل الإنجاب في الصين على ما هو عليه حاليا حيث يتراجع معدل المواليد يوما بعد يوم.

ومن المتوقع أن يبلغ عدد سكان العالم 8 مليارات في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وفقا لتوقعات الأمم المتحدة التي تؤكد أن الهند في طريقها لتجاوز الصين باعتبارها أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان في عام 2023.

وفي المقابل، تتزايد أعداد كبار السن في الصين مع استمرار انخفاض الخصوبة، ومن ثم أصبحت القوة العاملة مستنفدة مع انخفاض عدد الشباب، حتى أصبح الهاجس الديمغرافي مصدر قلق للقادة الصينين الذين يخشون أن يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وأن يحول دون تحقيق حلمهم بدولة غنية وقوية بحلول عام 2049 الذي يصادف الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية.

مراحل

القنبلة الديمغرافية الموقوتة التي تهدد الصين صناعة محلية داخلية، وهي محصلة ونتيجة طبيعية لتغير السياسة السكانية في الصين التي تحولت من تشجيع الإنجاب إلى تنظيمه، إلى الحد منه، إلى تقييده وفرض سياسة الطفل الواحد منذ عام 1980، ثم التخفيف منها، ثم العدول عنها وصولا إلى سياسة تشجيع الولادات إلى طفلين ثم إلى 3 أطفال، وتقديم حوافز تشجيعية على الإنجاب. لكن هذه الإجراءات لم تحل المشكلة نظرا لعوامل أخرى استجدّت وفرضت نفسها طوال العقود الأربعة الماضية حيث تبدلت العادات.

في عام 1950، كان عدد سكان الصين 540 مليون نسمة، وبعد مرور 10 سنوات من الحكم الشيوعي مات نحو 30 مليون صيني جوعا في المجاعة الكبرى التي امتدت 3 سنوات في الفترة ما بين 1959 و1961 التي يعدّها المؤرخون أكبر كارثة تاريخية من صنع الإنسان، ويرجعون سببها إلى سياسة الزعيم ماو تسو تونغ، الزراعية، التي جاءت في إطار إطلاقه “القفزة العظيمة للأمام”، لكن يظل الحديث عن تلك المجاعة محرما ومحظورا في الصين، حسب ما نقلت صحيفة “الغارديان” البريطانية عن الصحفي الصيني المخضرم يانغ جي شنغ في شهادته عن تلك الفاجعة.

الأرقام الصينية الرسمية عن سنوات المجاعة الثلاث تقلل إلى حد كبير من انخفاض الخصوبة وارتفاع معدل الوفيات. ولكن بعد ذلك، سارت الأمور صعودا، لأسباب تتعلق بسرعة النمو الاقتصادي، والتنمية الاجتماعية، وتحسن الظروف الصحية والطبية. وفي غضون 10 سنوات ما بين عامي 1964 و1974، زاد عدد سكان الصين بمقدار 200 مليون نسمة.

وبعد أقل من 3 سنوات من وفاة ماوتسي تونغ عام 1979، بدأ الفصيل الإصلاحي في الحزب الشيوعي يتبنّى سياسة سكانية جديدة، وأجبر الأزواج على إنجاب طفل واحد فقط في مسعى للحد من الزيادة السكانية. ومن أجل تنفيذ تلك السياسة، فرضت الحكومة الصينية وسائل تحديد النسل التي تضمنت مكافآت وعقوبات، حيث تتلقى الأسرة المكونة من طفل واحد العديد من الحوافز المادية، والامتيازات في مجالات التعليم والصحة والإسكان، أما العقوبات فتفرض على من يخالف وتتضمن غرامات مالية والحرمان من الامتيازات الممنوحة للملتزمين.

ومع أساليب تحديد النسل، ارتفع عدد حالات الإجهاض ارتفاعا مخيفا، وبينما كان العدد 7.9 ملايين حالة إجهاض في عام 1979، ارتفع هذا الرقم بعد 3 سنوات إلى 12.4 مليونا، والسبب في ذلك هو أن عمليات الإجهاض في جمهورية الصين الشعبية تشجعها الحكومة رسميا في صورة مكافآت وإجازات مدفوعة الأجر.

حصاد الطفل الواحد

على الرغم من أن سياسة الطفل الواحد قللت بشدة من معدل الخصوبة في الصين، وأبطأت النمو السكاني الطبيعي وقلصت عدد السكان بنحو 300 مليون شخص، فإنها أفرزت تبعات خطيرة لم ترد في الحسبان تدفع الصين ضريبتها حاليا، فقد ارتفعت نسبة المواليد الذكور مقابل الإناث، ودفعت  الأسر الصينية التي تفضل الذكور إلى اختيار جنس المولود.

وفي وقت مبكر من هذه المرحلة، كان هذا محدودا بسبب عدم موثوقية الأساليب التقليدية لتحديد الجنس، فدفع ذلك العائلات إلى اللجوء إلى تدابير مثل وأد الأطفال. لكن إدخال تقنية الموجات فوق الصوتية لاحقا فتح الباب أمام إمكانية الإجهاض الانتقائي بسبب جنس الجنين في وقت مبكر نسبيا من الحمل، ومن ثم أصبح هناك خلل في نسب جنس المواليد حيث يولد عدد كبير جدا من الأطفال الذكور مقابل الإناث، ويتوقع إذا ظل الحال كذلك أن يصل إجمالي عدد الذكور الفائضين بـ41.41 مليونا في عام 2043.

وفي محاولة لتدارك الأمر، أطلقت الحكومة الصينية حملة للتشجيع على إنجاب مزيد من الفتيات في البلاد، وقررت مكافأة المتزوجين الذين يقررون إنجاب إناث بضمان مالي إضافي، ومسكن عند تقدمهم في السن، لكن لا يزال من الصعب إقناع الناس خصوصا في المناطق الريفية بإنجاب الإناث، فالذكور هم فقط من يعتنون بوالديهم في سن الشيخوخة والبنات يتزوجن.

وقد أدى اختلال التوازن بين الجنسين في الصين إلى زيادة دوائر الاتجار بالبشر، ومصدرها منطقة كاشين في ميانمار المجاورة لمقاطعة يونان الصينية. ونشط تجار البشر في تلك المنطقة التي دمرها القتال بين حكومة ميانمار ومنظمة استقلال كاشين، فمع مقتل العديد من عناصر تلك المنظمة في مواجهات مع جيش ميانمار ترملت زوجاتهن وأصبحن هدفا لتجار البشر الذين عبروا الحدود لإغرائهن بالزواج بصينيين بغرض الإنجاب، وأخبر هؤلاء التجار العديد من النساء والفتيات اللائي تم الاتجار بهن أنه بمجرد قيامهن بذلك، فإنهن يتمتعن بحرية الذهاب، بشرط ترك أطفالهن.

ومن النتائج الرئيسة الأخرى لسياسة الطفل الواحد وجود عدد كبير من الولادات غير الموثقة، وقد اختار كثيرون عدم الإبلاغ عن هذه الولادات، خاصة إذا لم تكن لديهم لإمكانات المالية لدفع الغرامات، ويسمى هؤلاء المواليد “الأطفال السود”، لأنه لم يتم دمجهم في نظام تسجيل الأسرة الصيني، وذلك يعني عدم حصولهم على الرعاية الطبية أو التعليم أو التوظيف، لا سيما في المناطق الحضرية التي تسهل مراقبتها حيث طبقت سياسة الطفل الواحد فقط تطبيقا صارما.

تحول

في عام 2014، بدأ عدد السكان في سن العمل في الصين الانكماش لأول مرة منذ أكثر من 3 عقود، وفي العام التالي أعلنت الحكومة الصينية إنهاء سياسة الطفل الواحد، التي تسمح للأزواج بإنجاب طفلين.

وفي عام 2021 أظهر الإحصاء الرسمي الذي تجريه السلطات كل 10 سنوات تراجع عدد المواليد بنحو 12 مليون مولود في عام 2020، وهو العدد الأكثر انخفاضا منذ عام 1961، ومن ثم قررت زيادة عدد الأطفال التي تشجع الأسر على إنجابها إلى 3 أطفال بدلا من طفلين، وضمنت ذلك قانون السكان وتنظيم الأسرة الجديد الذي دخل حيز التنفيذ في 20 أغسطس/آب 2021.

تعدّ سياسة التشجيع على إنجاب 3 أطفال تحريرا شبه كامل لسياسات تنظيم الأسرة في الصين التي استمرت عقودا طويلة لأنها تلغي العقوبات ذات الصلة، وقد تساعد في إبطاء انخفاض عدد السكان، لكنها بعد نحو عام من تطبيقها لم تأت بنتائج مبشرة، فقررت الحكومة منح مزايا تحفيزية ومكافآت تشجيعية للأسر التي تنجب 3 أطفال أملا في زيادة المواليد وتعويض شيخوخة السكان.

إن الرهان على تلك الحوافز سيحتاج إلى رصد لنتائجها العملية خصوصا في المدن الصينية وتكلفة المعيشة المرتفعة فيها، وهناك مثل صيني يقول “إن أسعار المساكن المرتفعة هي أفضل وسائل لمنع الحمل”، ويزيد من صعوبة الأمر تدفق المواطنين الصينيين إلى المدن، وقد أسهم ذلك في ارتفاع تكاليف المعيشة وانخفاض معدلات المواليد، فهل تستحدث الصين مزيدا من وسائل التشجيع على إنجاب المزيد؟

تناقض

وعلى النقيض من سياستها لتشجيع أغلبية السكان في البلاد على إنجاب مزيد من الأطفال، تنتهج الصين سياسة تقليص أعداد مسلمي الإيغور في إقليم شينجيانغ، وتتخذ الحكومة الصينية إجراءات صارمة لخفض معدلات المواليد بين الإيغور ضمن حملة صارمة لكبح جماح سكانها المسلمين.

وفي مقابلات ميدانية، تتحدث المسلمات هناك عن تعرضهن لتحديد النسل القسري بصورة منهجية تفوق بكثير ما كان معروفا في السابق، إذ أدت الحملة على مدى السنوات الأربع الماضية في أقصى غرب شينجيانغ إلى ما يسميه بعض الخبراء شكلًا من أشكال “الإبادة الجماعية الديمغرافية”، وتُخضع النساء الأقليات بانتظام لفحوص الحمل، ويفرض على مئات الآلاف منهن استخدام الأجهزة داخل الرحم والتعقيم وحتى الإجهاض. وبينما انخفض استخدام اللولب الرحمي والتعقيم على الصعيد الوطني، فإنه ارتفع إجباريا ارتفاعا حادا في شينجيانغ.

زر الذهاب إلى الأعلى