الأخبار

“الورقة البيضاء” تحسم الجلسة الأولى للبرلمان.. هل لبنان أمام شغور رئاسي مجددا؟

بيروت- شكلت الجلسة الأولى التي دعا إليها رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري لانتخاب رئيس جديد للبلاد، اختبارا أوليا للنوايا بين الكتل السياسية، ويعتبر محللون أنها بمثابة صفارة انطلاق للاستحقاق الرئاسي، في بلد لم يشهد منذ اتفاق الطائف عام 1989، انتخابات رئاسية ضمن المهلة الدستورية، وكان يتبعها تمديد أو فراغ.

وما شهده مجلس النواب الخميس 29 سبتمبر/أيلول، بإسقاط 63 ورقة بيضاء، تمثل نصفا ناقصا واحدا لعدد الأعضاء، يعكس ترجمة فعلية لنتائج الانتخابات البرلمانية في مايو/أيار الماضي، التي أفرزت لأول مرة بعد 2005 مجلسا بلا أكثرية ولا أقلية، وتركيبته المعقدة خارج ثنائية 14 آذار و8 آذار، جعلت منه أرضا خصبة للمواجهة والتعطيل.

وحضر الدورة الأولى للجلسة 122 من أصل 128 نائبا بالبرلمان. وأبرز من أسقط 63 ورقة بيضاء هم نواب التيار الوطني الحر وثنائي حزب الله وحركة أمل، كما أظهر فرز الأصوات حصول النائب ميشال معوض على 36 صوتا (صوت له نواب حزب الكتائب والقوات والتقدمي الاشتراكي وآخرون)، و11 صوتا لسليم إده (صوت له بعض المستقلين) وهو رجل أعمال غير ناشط سياسيا ونجل الوزير الراحل ميشال إده، و12 صوتا لأسماء أخرى.

وألغيت الدورة الثانية للجلسة بعد فرز الأصوات، نتيجة فقدان النصاب، بفعل انسحاب عدد من النواب، أبرزهم نواب كتلتي ثنائي حزب الله وحركة أمل.

المسار الدستوري

وينتخب الرئيس اللبناني من الطائفة المسيحية المارونية وفقا للنظام الطائفي، ويحتاج دستوريا لتصويت ثلثي مجموع أعضاء البرلمان، أي 86 نائبا، وبالدورة الثانية بالأغلبية المطلقة، أي 65 نائبا.

وبدأت مطلع سبتمبر/أيلول المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد، مضى منها شهر، وتستمر حتى 31 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، ويمكن أن يتخللها جلسات لا ينتج عنها انتخاب رئيس، مما يدخل البلاد بشغور رئاسي في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

المشهد الأولي

يضع الكاتب السياسي خلدون الشريف الجلسة الأولى بخانة الإعداد والاستعداد، رافضا احتسابها ضمن الجلسات الفعلية التي قد يفرز عنها إعلان اسم رئيس جديد للبلاد.

في حين يرى الكاتب والمحلل السياسي علي حمادة أن الجلسة كانت استكشافية ولم تتبلور بها خيارات معظم القوى الوازنة، فـ “لا فريق 8 آذار الذي يقوده حزب الله قد استطاع أن يخرج بمرشح واحد لكل الفريق، ولا القوى الأخرى المسماة إما تغييرية أو سيادية (14 آذار) أو مستقلة، تمكنت من الوصول إلى قواسم مشتركة حول مرشح واحد”.

ويصف حمادة عبر الجزيرة نت ما حدث بـ “مشهد الضياع”، لأن الفريق الأقوى، أي حزب الله، لا يملك الأغلبية البرلمانية، وغير قادر على فرض مرشحه، وترجم ذلك مع حلفائه بالورقة البيضاء التي تؤسس للشغور الرئاسي. أما خصومه، فـ “هم مشتتون وعاجزون عن تأمين نصاب توافق سياسي عريض لفرض مرشح مناوئ لحزب الله”.

من جانبه، يقول المحلل السياسي علي شكر للجزيرة نت، إن الجلسة الأولى عبرت عن تناقض المشهد السياسي اللبناني. من جهة، النصاب القانوني للجلسة تم ترتيبه وكأن هناك إدارة للحكم، ومن جهة أخرى عكست عدم اتزان سياسي بالبرلمان والحساسية بين الكتل، وصار نسج تفاهم بينها أصعب من أي مرة مضت بالبرلمانات السابقة”.

وكانت نتائج انتخابات مايو/أيار 2022، قد أعادت خلط الأوراق في البرلمان، نتيجة تقدم حزب القوات اللبنانية (برئاسة سمير جعجع) مقابل تراجع نسبي للتيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل (صهر رئيس الجمهورية ميشال عون)، مما فاقم مصاعب إمكانية وصول أحد من المرشحين الطبيعيين إلى الرئاسة لدى الموارنة، أي جعجع وحليفي حزب الله باسيل ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية.

ويرى مراقبون، أن اهتزاز تمثيل الطائفة السنية بالانتخابات البرلمانية بعد غياب تيار المستقبل عنها لأول مرة، قد يعقد احتمال التوافق الداخلي على هوية رئيس جديد، وفقا للنهج المعهود في لبنان، خصوصا أن الرئيس عون في 2016، انتخب بعد عامين ونصف من الفراغ الرئاسي، متوجا ثمرة التسوية، وكان أبرز عرابيها حليفه حزب الله والحريري الذي جاء على إثرها رئيسا للحكومة، وخصمه المسيحي الأبرز حاليا رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع.

المجلس فشل في عقد جلسة ثانية لانتخاب الرئيس بعد فقدان النصاب الدستوري (الجزيرة)

ما بعد الجلسة الأولى

يذكر الشريف في حديثه للجزيرة نت، أن لبنان تاريخيا يستعين بـ “صديق” خارجي بانتخابات الرئاسة. ودعا لضرورة قراءة البيان الثلاثي السعودي الفرنسي الأميركي الذي صدر الأسبوع الماضي بشأن لبنان، وشدد حينها على ضرورة “انتخاب رئيس يمكنه توحيد الشعب اللبناني ويعمل مع الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية لتجاوز الأزمة الحالية”.

وقال الشريف “لا يمكن لأي فريق سياسي وازن راهنا أن يوصل مرشحه، لأنه إذا لم يتم التوافق على اسم رئيس بدعم خارجي وإقليمي مستدعى لبنانيا، من الصعب إجراء انتخابات رئاسية تعبّد طريق العبور للقصر الجمهوري.

ويعتقد الكاتب السياسي أن ما هو غير متاح الآن، أي عدم التوافق الدولي والإقليمي، قد يصبح متاحا مع ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل وبوساطة أميركية، إذا ما حصلت. وقال إن مجرد قبول حزب الله بأي تسوية بحرية لاحقا “يعني أنه جاهز لتسويات أخرى وأولها الرئاسية لتخليص بيئته الحاضنة من الأوضاع المأساوية التي يعيشها كل اللبنانيون”.

ويضيف أن لبنان يحتاج لرئيس توافقي ورئيس حكومة إصلاحي، وبخلاف ذلك لن تتعاطى معه الدول المانحة والصديقة، و”حتى الآن غير متوفر بجدية إلى العلن اسم رئيس توافقي للبنان”.

من جانبه، يقول شكر إن الجلسة الأولى وضعت القوى السياسية أمام مواجهة صعبة للاستحقاق “ستصعب استشراف شخصية الرئيس المقبل”.

ويذكر بحجم التداعيات السياسي، سلبا أو إيجابا، التي يمكن أن يتركها مسار التفاوض النووي بين طهران وواشنطن على المشهد السياسي اللبناني.

ولا يتفق مع الشريف بإمكانية الوصول إلى اسم رئيس توافقي لا ينتمي إلى طرف مسيحي وازن بالبلد، “لأن ذلك سيعمق الحساسيات الطائفية والسياسية، بظل الصراع المحموم على الصلاحيات الدستورية لرئاسة الجمهورية، وقد يرفض المسيحيون هذه المرة وصول رئيس لا يعكس نبض شارعهم”.

بالمقابل، يقول حمادة إن بري (رئيس حركة أمل حليفة حزب الله)، قد يستمر بالمناورة السياسية عبر البرلمان، دعما لوصول مرشحه للرئاسة سليمان فرنجية، ولقطع الطريق أمام أي مرشح آخر، وأبرزهم خصمه باسيل، مما يضاعف إحراج حزب الله الذي يقف أمام حليفين مرشحين، بينما باسيل كان بمثابة رئيس ظل خلال عهد عون.

ويعتقد حمادة أن فرنجية، ورغم صعوبة وصوله، هو مرشح من ثنائي حزب الله حركة أمل، إلى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وصولا إلى أنه قد يكون مرشحا مفضلا لأقطاب الجهاز المصرفي، وفق قوله.

ويتوقع دخول البلاد شغورا رئاسيا، قد تدفع لطرح اسم قائد الجيش جوزيف عون للتوافق على اسمه رئيسا بدعم داخلي وخارجي، “لكن حتى وصوله يحتاج لتسوية مع فريق عون السياسي ومع فرنجية، والأهم مع حزب الله وإستراتيجيته داخليا وإقليميا. أي أن لبنان أمام مشهد معقد قد يطول لأشهر”.

زر الذهاب إلى الأعلى