الأخبار

اليوم العالمي للتعليم.. نصف طلبة المغرب يغادرون الجامعات دون شهادات و19% نسبة البطالة بين الخريجين

الرباط- بعد حصوله على البكالوريا عام 2021، قرر الشاب المغربي ياسين إميح التسجيل في شعبة الفيزياء بكلية العلوم بالرباط، غير أنه وجد صعوبات في التأقلم مع النظام الدراسي فقرر التخلي عن التعليم والبحث عن فرصة عمل تدر عليه دخلا ماديا يساعده على تلبية احتياجاته.

يعمل ياسين اليوم في خدمة توصيل الطعام، وهو العمل المتاح أمام شاب لا يحمل سوى شهادة البكالوريا، ويبرر اتجاهه للعمل بصعوبة الدراسة الجامعية، وقلة فرص الشغل المتاحة أمام خريجي شعبة الفيزياء التي سبق أن اختارها.

كثير من طلاب الجامعات المغربية غادروا مقاعد الدراسة دون استكمالها بحثا عن مصدر دخل (الجزيرة)

خريجون دون عمل

أما أمل المحجوبي (اسم مستعار) فقد تخرجت منذ عام من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمدينة المحمدية بعد حصولها على الليسانس في شعبة الحقوق. ومنذ تخرجها وهي تسعى للحصول على فرصة عمل تتناسب مع مؤهلها الجامعي، غير أنها لم تفلح رغم اجتيازها عددا من الاختبارات.

تقول للجزيرة نت إنها اختارت دراسة القانون بعدما سمعت أن فرص العمل متاحة أكثر أمام خريجي هذه الشعبة غير أنها بعد الحصول على الشهادة اصطدمت بالواقع.

وتوضح أمل أنها أجرت اختبار المنتدبين القضائيين، لكن النجاح لم يكن حليفها بالنظر لآلاف المرشحين المتقدمين، فيما لم يتم قبول إلا مئات، كما اجتازت اختبار التعليم ولم يحالفها الحظ.

وتشير الشابة إلى أن عروض العمل المتاحة أمامها محدودة وبأجر زهيد، فقد تلقت عرض عمل لمدة 8 ساعات يوميا لدى كاتب عمومي مقابل 1300 درهم (نحو 128 دولارا أميركيا)، فرفضت العرض لأنه لا يناسبها.

اختارت أمل العمل في التنظيف بأحد المقاهي في الفترة الصباحية، وتقديم دروس الدعم المدرسي لطلبة المرحلة الابتدائية.

تقول إن هذا العمل يمكنها من إعالة نفسها ويتيح لها وقتا أكبر للتحضير لامتحان القبول بالماجستير، وأيضا البحث عن فرص عمل مناسبة بشهادتها.

خريجون دون شهادات

وكشفت أرقام صادرة عن وزارة التعليم العالي بالمغرب أن نصف الطلبة يغادرون الجامعة دون الحصول على دبلوم. كما ارتفعت بطالة خريجي التعليم العالي، فحوالي 19% من خريجي كليات الآداب والقانون والاقتصاد والعلوم يعانون البطالة، مقابل 8.5% بالنسبة لخريجي الكليات ذات التخصصات العلمية، مثل الطب والهندسة والمدارس العليا.

وتخرج في الموسم الجامعي 2020- 2021 حوالي 143 ألف طالب من الجامعات الحكومية المغربية البالغ عددها 12 جامعة.

ويعزو وزير التعليم العالي والبحث العلمي هذا الوضع إلى افتقار الخريجين المهارات اللغوية والرقمية، ما يشكل عائقا أمام إدماجهم في سوق العمل.

المغرب/ الرباط/ سناء القويطي/ كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط / مصدر الصورة: سناء القويطي
خريجو الكليات النظرية التي تقبل أعدادا مفتوحة من الطلاب أكثر عرضة للبطالة (الجزيرة)

الكليات المفتوحة

من جانبه، يوضح أستاذ الاجتماع بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، رشيد الجرموني، أن ظاهرة التسرب الجامعي مرتبطة بالكليات التي تستقطب أعدادا كبيرة من الطلبة مثل كليات الحقوق والآداب والاقتصاد والعلوم، بينما الظاهرة محدودة في غيرها من الكليات.

ويرى الجرموني -في حديث مع الجزيرة نت- أن الظاهرة تعبر عن فشل المنظومة التعليمية ككل وليس فقط في الجامعة، وهي في نظره ليست سوى تراكم لسنوات من التعليم لا يُحصل فيها الطالب الملكات اللغوية والتحليلية والتفكير ما يجعله يلتحق بالكليات ذات الاستقطاب المفتوح لأنها الخيار الوحيد أمامه، مشيرا إلى أن هذا يؤثر على جودة التعليم الذي ما زال يعتمد في الغالب على الطريقة التقليدية القائمة على الملخصات والمراجع.

وتضم كليات الحقوق والاقتصاد والآداب والعلوم الإنسانية والعلوم حوالي 850 ألف طالب في سنوات الليسانس من بين حوالي مليون طالب في الجامعات، 510 آلاف من هؤلاء الطلبة يدرسون القانون والاقتصاد في كليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية حسب إحصائيات وزارة التعليم العالي لموسم 2021-2022.

من جهته، يرى عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمرتيل، محمد العمراني بوخبزة، أن مسألة التوجيه تؤثر على مسار الطالب في الجامعة.

ويوضح بوخبزة -في حديث مع الجزيرة نت- أن العديد من الطلبة يختارون تخصصا جامعيا معينا دون اقتناع أو رغبة، لذلك يؤكد على ضرورة بذل مجهود أكبر وتعاون أكثر بين أكاديميات التعليم والجامعات على مستوى كل جهة لتمكين الطلبة من اختيار التخصص الذي يناسب مؤهلاتهم.

ويضيف بوخبزة أن مسألة لغة التدريس (تدريس بعض الشعب بالفرنسية في الجامعة) تشكل عائقا أمام الطلبة وتدفع بعضهم إلى مغادرة الجامعة دون استكمال المسار العلمي.

المغرب/ الرباط/ سناء القويطي/ محمد العمراني بوخبزة عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمرتيل شمال المغرب / مصدر الصورة: خاص بالموقع
محمد بوخبزة دعا إعادة إلى الثقة في الجامعة لتصير هدفا ومبتغى للطلبة (الجزيرة)

إعادة الثقة

وتعتقد كثير من الأسر المغربية أن الدراسة في الكليات التي تدخلها أعداد مفتوحة من الطلاب دليل على الفشل وغموض مستقبل أبنائهم، لأن خريجيها لا يجدون أمامهم سوى البطالة، لذلك يبذلون جهدا ماديا ومعنويا كبيرا لدفع أبنائهم للحصول على معدلات عالية في البكالوريا من أجل الالتحاق بالمدارس والمعاهد العليا ذات الأعداد المحدودة مثل الهندسة والطب والصيدلة.

غير أن بوخبزة يرى ضرورة إعادة الثقة في الجامعة لتصير هدفا ومبتغى للطلبة، وفضاء لبناء المستقبل وللتكوين الجيد، مؤكدا أهمية تغيير العقليات التي تربط النجاح بالدراسة في مدارس الطب والهندسة، والفشل في غيرها.

وأوضح أن الجامعة ليست فقط ممرا لسوق الشغل، بل إن لها وظائف أخرى من بينها إعادة إنتاج قيم المجتمع والحفاظ على الهوية والتكوين والبحث العلمي.

ويرى العميد بوخبزة أن تعزيز الثقة في الجامعة لن يتم إلا عبر إعادة النظر في طريقة تكوين الطلبة وفي علاقتها بالوسط الذي توجد فيه، وهو ما تشتغل عليه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في إطار المخطط الوطني لتسريع تحول منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار.

مخطط للإصلاح

ويقوم هذا المخطط -حسب التقرير الذي قدمه وزير التعليم العالي أمام المجلس الأعلى للتربية والتكوين قبل أيام- على عدد من التوجهات لإصلاح أنظمة الليسانس والماجستير والدكتوراه، وتشجيع البحث العلمي والابتكار.

وبموجب هذا المخطط ستعمل الجامعة على إحداث مسالك جديدة تستجيب لحاجيات القطاعات الوطنية والإنتاجية من الكوادر والكفاءات.

وتقوم التوجهات المعتمدة لإصلاح نظام الليسانس على إلزامية الحصول على شهادة في إحدى اللغات الأجنبية (الفرنسية والإنجليزية)، وأخرى في المهارات الرقمية، إلى جانب إرساء جسور مرنة بين التخصصات والمسالك والمؤسسات وذلك بإطلاق مسارات جديدة للتميز ابتداء من السنة الثالثة الجامعية بالكليات التي تقبل أعدادا مفتوحة.

ويوضح العميد بوخبزة أن تقرير لجنة النموذج التنموي الجديد -التي كان عضوا فيها- وضعت عددا من التوصيات لتحديث وإصلاح مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة وللرفع من أدائها، من بينها ضمان استقلالية مؤسسات التعليم العالي، وجعل الطالب في صلب إصلاحات وإجراءات تحسين أداء التعليم العالي، وتشجيع البحث العلمي من خلال آلية مستقلة للتمويل والتقييم.

من جهته، يؤكد الأستاذ الجامعي رشيد الجرموني ضرورة النظر إلى المنظومة التعليمية في شموليتها وربطها بالرؤية التنموية للبلاد لتكون ذات نجاعة وجودة.

ولفت إلى أن خطط الإصلاح التي وضعتها وزارتا التربية الوطنية والتعليم العالي تتضمن إجراءات إيجابية ستمكن من ربط الجامعة بسوق العمل، داعيا إلى توفير الشروط المادية واللوجيستية والدعم الاجتماعي لتحقيق نتائج إيجابية والحد من التسرب الجامعي ومن بطالة الخريجين.

زر الذهاب إلى الأعلى