الأخبار

باحثة أميركية: خرافة العولمة.. الروابط الإقليمية تكسب الرهان في النهاية

في وقت يظن فيه كثير من الناس أن العالم بات تحت سطوة ظاهرة العولمة، خرجت باحثة أميركية برأي مخالف تزعم فيه أن ذلك الاعتقاد لا يعدو أن يكون خرافة، وأن عكس ذلك هو الصحيح تماما.

وتعتقد شانون كي أونيل -وهي باحثة بارزة متخصصة في شؤون أميركا الجنوبية بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي- أن هناك نبرة ثابتة لا جدال فيها إلى حد كبير في السياسة الخارجية؛ وهي أن العولمة قد سادت العالم، وليس أدل على ذلك من امتلاء الخزائن بالملابس التي حيكت في بلدان أخرى، وأن الأجهزة الإلكترونية والسيارات غالبا ما يجري تجميعها بعيدا عن الأماكن التي يعيش فيها المستهلكون.

وتضيف في مقالها المنشور بمجلة “فورين أفيرز” (Foreign Affairs) الأميركية، أن الاستثمارات الأميركية تتدفق على الأسواق الآسيوية، وأن الهنود يشدون الرحال إلى الولايات المتحدة للدراسات العليا.

وتشير إلى أن الأرقام تظهر حجم المبادلات الدولية، حيث تبلغ التعاملات التجارية بين الدول نحو 20 ترليون دولار، أي بزيادة تقارب 10 أضعاف مما كانت عليه في عام 1980.

التدفقات الرأسمالية والمسافرون

كما نمت التدفقات الرأسمالية الدولية بشكل كبير خلال تلك الفترة من 500 مليار دولار في السنة إلى أكثر من 4 تريليونات دولار. وارتفعت أعداد المسافرين عبر الحدود بمقدار 5 أضعاف بالمقارنة مع عددهم في العقود الأربعة الماضية.

ولعله من قبيل الخداع الادعاء بأن هذا التدفق في السلع والخدمات والأشخاص يكون دائما عالمي النطاق، كما تقول الباحثة أونيل التي ترى أن العولمة -كما هو متعارف عليها- هي في الغالب خرافة. فالواقع في نظرها أقرب ما يكون إلى المناطقية (الجهوية) منه إلى العولمة.

ولتعزيز وجهة نظرها تلك، تقول الباحثة الأميركية إن الشركات وسلاسل التوريد والأفراد عندما يتوجهون إلى خارج بلدانهم، لا يختارون الذهاب إلى أي مكان، فهم في أغلب الأحوال يظلون قريبين إلى حد ما من أرض الوطن.

وإذا تأملنا في التجارة –تضيف الكاتبة- فسنجد أن المسافات الطويلة لم تؤثر على المبيعات الدولية، وأن نصف البضائع والخدمات التي تباع في الخارج تقطع مسافة تصل إلى حوالي 5 آلاف كيلومتر فقط، وهي مسافة لا تتجاوز رحلة بالطائرة عبر الولايات المتحدة.

تغلغل أكثر بالأسواق الإقليمية

ولطالما كانت الشركات تتغلغل في الأسواق الإقليمية أكثر منها في الأسواق العالمية. وتُظهر دراسة أُدرجت نتائجها في قائمة “فورتشن غلوبال 500” (Fortune Global 500) -وهي قائمة سنوية تجمعها وتنشرها مجلة فورتشن وترتب فيها أكبر 500 شركة أميركية خاصة وعامة في العالم وفق إجمالي إيراداتها- أن دولارين من كل 3 دولارات من مبيعاتها يأتيان من المناطق الأصلية لتلك الشركات.

وكشفت دراسة أخرى أجريت على 365 من أبرز الشركات متعددة الجنسيات أن 9 منها فقط كان طابعها عالميا، مما يعني أن آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية استحوذت على 20% على الأقل من مبيعاتها.

وتوضح أونيل -وهي مؤلفة كتاب سيصدر بعنوان “خرافة العولمة: لماذا تعد الأقاليم مهمة؟”، والذي اقتبست مقالها هذا منه- أن مصطلح “سلاسل التوريد العالمية” الذي يتكرر كثيرا هو تسمية خاطئة. “فصناعة الأشياء عبر الحدود تنزع إلى أن تكون إقليمية أكثر من كونها عملية شراء وبيع المنتجات النهائية؛ فالقطع والأجزاء المجمعة في التصنيع الحديث تتنقل على الأرجح بين البلدان المجاورة بمعدلات تفوق شحنها من أماكن أبعد كثيرا.

حتى الأسهم والسندات

وتصف الباحثة الأميركية تدفقات رؤوس الأموال الدولية بأنها هي الأخرى إقليمية الطابع وليست عالمية. بل إن المشترين عبر الحدود للأسهم والسندات لا يستثمرون أموالهم -برأيها- في أماكن أبعد مما يمكن للمرء أن يتخيله بالنظر إلى مدى عالمية خياراتهم، إذ لا تتجاوز استثماراتهم المسافة بين طوكيو وسنغافورة.

ويميل الاستثمار الأجنبي المباشر إلى اقتفاء نهج التجارة، إذ يتم تداول أكثر من نصف عمليات التمويل العابرة للحدود داخل دول الاتحاد الأوروبي.

وتلفت أونيل إلى أن عمليات البنوك والشركات الآسيوية المتعلقة بالإقراض والاقتراض والاستثمار الأجنبي المباشر في آسيا آخذة في الارتفاع.

وتزعم المؤلفة في مقالها أن الناس يميلون إلى تكييف أوضاعهم المعيشية بما يتناسب مع مناطقهم الإقليمية، مشيرة إلى أن معظم الناس لا يغادرون بلدانهم قط، أما أولئك الذين يسافرون إلى الخارج فإن أكثر من نصف عددهم لا يتركون مناطقهم أبدا.

المسافرون

والغالبية العظمى من المسافرين الذين يقضون إجازاتهم في أوروبا هم من الأوروبيين. والشيء نفسه ينطبق على الناس في آسيا وأميركا الشمالية. أما أولئك الذين ينتقلون للعيش بشكل دائم في الخارج فإنهم يحبذون أيضا البقاء بالقرب من بلدانهم الأصلية.

وإن أكثر من نصف التدفقات الدولية للسلع والأموال والمعلومات والأشخاص تحدث في 3 مراكز إقليمية رئيسية هي آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية.

ووفق المقال، فقد بدأ الصعود الاقتصادي للصين وكوريا الجنوبية وتايوان وفيتنام باستثمارات ومدخلات إقليمية، فيما جاء النمو السريع في أوروبا الشرقية من ارتباطها بأوروبا الغربية.

وتعزو الكاتبة الفضل في نمو اقتصاد المكسيك بأكثر من الضعف بين عامي 1993 و2007 في جزء كبير منه إلى اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا)، التي أبرمتها مع كندا والولايات المتحدة في عام 1993.

منطقة نافتا

وللواقع إقليمي الطابع (الجهوية) انعكاساته على سياسة الولايات المتحدة. فعلى الرغم من التعديلات التي أُدخلت على اتفاقية نافتا في عام 2020، إلا أن أميركا الشمالية كمركز ما تزال غير متكاملة مثل نظيراتها في شرق آسيا وأوروبا.

وإن الوضع الأمثل -من وجهة نظر شانون أونيل- يكمن في أن تبرم الولايات المتحدة صفقات تجارية دولية لتوسيع وصولها إلى الأسواق ومتابعة أهدافها الجيوسياسية، مثل مواجهة صعود الصين.

غير أن ذلك لا يبدو ممكنا من الناحية السياسية في الوقت الراهن، وفقا للكاتبة التي تضيف أن السياسة الأكثر قابلية للتطبيق تتمثل في تقوية الشبكة الإقليمية للولايات المتحدة والاستفادة منها. ومن شأن ذلك أن يتيح لواشنطن الوصول إلى قطاع أوسع من السوق العالمية وتجنب خسارة المزيد من ميزتها التنافسية لدول تعمل على توسيع نطاق وجودها الإقليمي.

وتنتقل الباحثة بعد ذلك للحديث عن العوامل الرئيسية التي تراها سببا في غلبة الجهوية أو “المناطقية” -إذا جاز التعبير- على العولمة في نهاية المطاف.

العامل الجغرافي

وتتابع القول إن السبب الرئيسي في ميل الشبكات نحو الأقاليم المجاورة لها بسيط، ويتمثل في أهمية العامل الجغرافي. وحتى مع وجود سفن الحاويات الضخمة، فإن نقل الأشياء عبر المحيطات لا يزال يستغرق وقتا ويكلف مزيدا من الأموال.

على أن الأمر لا يقتصر على البضائع التي قد تتعرض للتأخير أو الفقدان في حال جرى نقلها إلى مسافات شاسعة. وتضيف أونيل القول إن الاتفاقيات التجارية تجنح هي الأخرى إلى أن تكون إقليمية الطابع.

وعلى الرغم من أن تسعينيات القرن الماضي شهدت إنشاء “منظمة التجارة العالمية” (WTO) وتوسيع عضويتها وسلطاتها الرقابية، إلا أن الشيء الذي اكتسب نفس الأهمية -إن لم يكن أكثر من ذلك- على مدار الـ30 عاما الماضية تمثل في اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية والمتعددة الأطراف والتي تنزع إلى إشراك دول في نفس المنطقة، بتقدير أونيل.

وتمضي الكاتبة إلى القول إن الحكومات أضحت على حين غرة حريصة على ممارسة مزيد من السيطرة على سلاسل التوريد الدولية للمنتجات الصيدلانية والطبية إبان جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19).

الابتكارات التكنولوجية والأتمتة

وفي الوقت نفسه، ساعدت الابتكارات التكنولوجية المستمرة القطاع الخاص في توسيع الإنتاج في العديد من المناطق الجغرافية المجاورة. وساهمت الأتمتة، على وجه الخصوص، في جعل المصانع النائية وسلاسل التوريد أقل حيوية وأقل ربحية مما كانت عليه في الماضي.

وتطرق المقال إلى العوامل التي تحد من سطوة العولمة على مختلف القطاعات، مثل التحولات الديمغرافية التي تساهم في رفع الأجور المنخفضة التي كانت تجتذب في السابق العديد من الشركات إلى البلدان النامية.

ففي الصين على سبيل المثال انتهت إلى حد كبير ظاهرة هجرة السكان التي كان نتاجها أن انتقل أكثر من 200 مليون عامل من المناطق النائية إلى مراكز التصنيع.

التغيّر المناخي

وثمة عامل آخر حدَّ من طغيان العولمة، ألا وهو التغير المناخي. فالظروف الجوية القاسية تؤدي إلى تقويض الخدمات اللوجستية بشكل متزايد، وإلى غمر الموانئ بالمياه، والتواء القضبان، ومنع الطائرات من الإقلاع بسبب العواصف المتكررة.

كما يلعب التغيير السياسي دورا أيضا في كبح جماح العولمة، إذ تعرضت منظمة التجارة العالمية إلى التهميش، ولم تعد منتدى للتفاوض بشأن قواعد التجارة الجديدة، إذ انتهت مساعيها لإعادة تشكيل التجارة العالمية في عام 2015، عندما تعثرت جولة الدوحة للمحادثات.

وتهدد التوترات الجيوسياسية بتفتيت التجارة الدولية أكثر فأكثر، على حد تعبير أونيل التي تخلص إلى أن المنافسة الاقتصادية أصبحت إحدى ركائز التنافس بين القوى العظمى.

زر الذهاب إلى الأعلى