الأخبار

تضارب في الأعداد وميزانيات سرية.. الحرائق تعيد جدل ملف الكنائس بمصر

القاهرة – شهد شهر أغسطس/آب 2022 اندلاع سلسلة من الحرائق داخل كنائس في محافظات مصرية عدة.

اندلع أول الحرائق وأكثرها مأساوية في 14 أغسطس/آب في كنيسة أبي سيفين بحي إمبابة في محافظة الجيزة، وأودى بحياة 41 شخصا معظمهم أطفال، ثم توالت حرائق محدودة في كنائس بالجيزة والمنيا، ودير بأسيوط.

وأعادت الحوادث إلى الواجهة ملف الكنائس المصرية، الذي يتسم بالغموض والتضارب وغياب الإحصائيات الرسمية الحديثة فيما يتعلق بعدد الكنائس أو ميزانياتها ومصادر تمويلها، وهو الغموض ذاته الذي يتسم به تعداد المسيحيين المصريين.

وفي التقرير التالي نحاول الإجابة عن أهم الأسئلة المتعلقة بالكنائس في مصر.

كم عدد الكنائس؟

لا تتوفر إحصائيات رسمية حديثة تحدد على وجه الدقة عدد الكنائس المصرية، سواء المرخصة منها أو تلك العاملة من دون تراخيص.

وأقدم الأرقام الرسمية المعروفة بخصوص عدد الكنائس في مصر ورد في تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها مجلس الشعب المصري في أعقاب أحداث الخانكة عام 1972، حينما قام بعض الأشخاص بإحراق وإزالة مبنى تابع لجمعية مسيحية كان يجري العمل لتحويله إلى كنيسة.

ونقل التقرير عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (رسمي) أن عدد الكنائس في مصر حتى عام 1972 بلغ 1442 كنيسة.

في المقابل، ذكرت بيانات وزارة الداخلية أن عدد الكنائس المسجل لديها حتى عام 1972 يبلغ 500 كنيسة فقط، وأنها خلال الفترة (1962-1972) أصدرت تراخيص لـ127 كنيسة، منها 68 كنيسة للأقباط الأرثوذكس (22 كنيسة جديدة، و4 تراخيص إعادة بناء، وترميم وتقنين أوضاع 42 كنيسة قديمة).

أرجعت اللجنة التفاوت بين أرقام الجهاز المركزي ووزارة الداخلية إلى وجود عدد من الكنائس التي بنيت قبل صدور قرار وزارة الداخلية المختص ببناء الكنائس عام 1934، في حين بني بعضها من دون الحصول على تراخيص.

ما وضع الكنائس في التعداد العام؟

لم يذكر التعداد العام الذي أجراه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 1976 -أقدم التعدادات المنشورة على موقع الجهاز الرسمي- أعداد الكنائس بشكل منفصل، واكتفى بإدراجها ضمن دور العبادة.

ولكن في تعداد عام 1986 أُدرجت أعداد الكنائس بشكل منفصل، وبلغ عددها 984 كنيسة في مختلف أنحاء البلاد، ليتوقف بعد ذلك الإعلان الرسمي عن عدد الكنائس في التقارير المنشورة للعامة.

في أكتوبر/تشرين الأول عام 2014، ذكر رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء آنذاك اللواء أبو بكر الجندي -في لقاء تلفزيوني- أن عدد الكنائس يبلغ 1200 كنيسة، وفقا لتعداد عام 2006.

لكن تعداد 2006 المنشور على الموقع الرسمي للجهاز لا يذكر أرقاما لأعداد الكنائس أو غيرها من دور العبادة.

هل تضاعفت أعداد الكنائس؟

رغم غياب الأرقام الرسمية، أظهرت بعض الدراسات تضاعف أعداد الكنائس خلال عقدين من الزمن (1986-2006).

وذكرت دراسة أعدّها المستشار السابق بالمحاكم العسكرية والمحامي بالنقض حسين أبو عيسى أن عدد الكنائس وصل عام 1996 إلى 2400 كنيسة، وازداد في نهاية 2006 إلى 2626 كنيسة رسمية (1326 كنيسة أرثوذكسية، و1100 كنيسة بروتستانتية، و200 كنيسة كاثوليكية).

وأضافت الدراسة -التي أوردها عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف الدكتور محمد عمارة في كتابه “الاستغلال الأميركي للأقليات” (2011)- أن هناك أكثر من 500 كنيسة من دون ترخيص، تعمل تحت غطاء “جمعية قبطية”.

وفي يناير/كانون الثاني 2017، ردّ بابا الأقباط الأرثوذكس تواضروس الثاني على سؤال للإعلامي عمرو أديب عن عدد الكنائس في مصر، أنه لا يملك حصرا دقيقا لأعدادها، مرجحا أن يراوح العدد بين ألفي كنيسة إلى 2500، من دون توضيح إذا كان الرقم يختص بالكنائس الأرثوذكسية فقط أم بجميع الطوائف المسيحية.

وفي عام 2018 نسب المذيع عمرو خفاجي -عبر برنامجه بقناة “أون تي في”- للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن إجمالي عدد الكنائس في مصر يبلغ 2869 كنيسة.

ما حقيقة عمل كنائس من دون رخصة رسمية؟

طوال عقود ظل الحديث عن وجود آلاف الكنائس التي تعمل من دون ترخيص، وأغلبها بنايات سكنية أو منازل تم تحويلها إلى كنائس، وسعت الكنائس المصرية طويلا لإصدار قانون يسهل لها بناء كنائس جديدة وتقنين أوضاع الكنائس القائمة من دون ترخيص.

وتفعيلا للمادة 235 من الدستور المصري، أصدرت السلطات عام 2016 القانون رقم 80 لسنة 2016 بشأن تنظيم بناء الكنائس وترميمها.

وفي يناير/كانون الثاني 2017، تشكلت اللجنة الرئيسة لتقنين أوضاع الكنائس، وتقدمت الكنائس بطلبات تقنين أوضاع أكثر من 5500 كنيسة ومبنى خدمي، ليتضح وجود نحو ضعفي الرقم المعلن للكنائس تعمل من دون ترخيص.

تقدمت الكنيسة الأرثوذكسية وحدها بملفات 4500 كنيسة لتقنين أوضاعها، وفقا لتصريحات القس ميخائيل أنطون ممثل الكنيسة القبطية في لجنة تقنين أوضاع الكنائس.

وتقدمت الكنيسة الإنجيلية بملفات 1070 كنيسة ومبنى خدميا، حسب تصريح رئيس الطائفة الإنجيلية في مصر القس أندريا زكي، في حوار مع صحيفة الشروق المصرية في أغسطس/آب 2019.

وفي الفترة (مايو/أيار 2018-أبريل/نيسان 2022) أصدرت لجنة تقنين أوضاع الكنائس 23 قرارا بتقنين أوضاع 2401 كنيسة ومبنى كانت تعمل من دون تراخيص، من بينها كنيسة أبو سيفين التي شهدت الحريق المأساوي.

ما أعداد الكنائس الجديدة؟

شهدت الفترة (2014-2022) بناء 40 كنيسة في المدن الجديدة، في حين يجري إنشاء 34 أخرى، فضلا عن إحلال وتجديد 75 كنيسة تعرضت للتدمير عام 2013، حسب المركز الإعلامي لرئاسة مجلس الوزراء.

وفي يناير/كانون الثاني 2019 افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي كاتدرائية ميلاد المسيح في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة، وهي أكبر كاتدرائية في منطقة الشرق الأوسط، وفق التصريحات الحكومية.

وفي مارس/آذار 2022 وجّه السيسي الحكومة ببناء كنيسة مع كل مسجد جديد يقام في المشروعات السكنية الجديدة، بغض النظر عن أعداد المسيحيين في تلك المناطق.

ماذا عن اقتصاد الكنائس؟

كما تغيب الأرقام الرسمية بشأن عدد الكنائس في مصر، ينعدم تقريبا وجود أي إحصائيات رسمية معلنة حكومية أو كنسية تتعلق بأموال الكنيسة أو اقتصادها.

وترفض الكنيسة المصرية إشراف أجهزة الدولة الرقابية والمحاسبية على مواردها أموالها، وتبرر ذلك بأنها لا تحصل على ميزانية من الدولة، وأنها تموّل نفسها ذاتيا من تبرعات المسيحيين بشكل خاص، ومن ثم فهي أموال خاصة لا يجب أن تخضع للرقابة الحكومية.

وفي أغسطس/آب 2012، رأت الكنيسة أن محاولات الرقابة الحكومية على نشاطها المالي “اضطهاد صريح للأقباط”، وفق وصف بطريرك الكنيسة القبطية بالوكالة الأنبا باخوميوس، مؤكدا أن الكنيسة “لن تقبل به تحت أي ظرف”.

واعترضت الكنيسة رسميا على المادة 212 من دستور عام 2012 التي كانت تمهد لإشراف الدولة علي النشاط المالي والاقتصادي للكنيسة، وحُذفت المادة في دستور عام 2014.

ما مصادر التمويل؟

تراوح التقديرات غير الرسمية لأموال الكنائس المصرية بين مئات الملايين إلى مليارات الجنيهات سنويا، من مصادرها المتعددة التي تشمل:

  • العشور: البند الأول لتمويل ميزانية الكنيسة حسب التصريحات الرسمية، إذ تحصل الكنيسة على عُشر أموال المسيحي سواء كانت حصيلة راتب أو أملاك أو منح أو أموال طارئة.
  • البكور: وتعني كل مال بكر يتربحه المسيحي مثل أول راتب يحصل عليه، أو أول علاوة وهكذا.
  • النذور: وتقدم بشكل خاص في الموالد القبطية التي تقام في الأديرة كل عام.
  • التبرعات: مالية ومادية من الأقباط في الداخل والمهجر.
  • المشروعات الاقتصادية والتجارية: تمتلك الكنيسة وتدير مشروعات متنوعة اقتصادية وتجارية وأنشطة اجتماعية، لا سيما داخل الأديرة الشاسعة المساحات التي تضم أراضي زراعية ومزارع حيوانية وسمكية ومصانع للمنتجات الغذائية.
  • الأوقاف القبطية: وتديرها هيئة الأوقاف القبطية.

أين تنفق الكنائس أموالها؟

أطلقت الكنيسة الأرثوذكسية عام 2013 برنامجا للرعاية الاجتماعية لسد احتياجات الأسر المسيحية الفقيرة، وخصصت لهذا الغرض 30% من إيرادات الكنائس، ونظرا لغياب الرقابة على أموال الكنيسة فلا تُعرف بشكل دقيق أوجه إنفاقها.

ولكن في فبراير/شباط 2021، نشرت مجلة الكرازة -يشرف عليها البابا تواضروس الثاني- جدولا مفصلا لخدمات أسقفية الخدمات العامة والاجتماعية التابعة للكنيسة المرقسية لعام 2020، يظهر أن الأسقفية قدمت خدمات بقيمة بلغت نحو 95 مليون جنيه.

ونشرت المجلة جدولا آخر تحت عنوان “أنشطة خدمة الراعي وأم النور” للعام نفسه، يظهر تقديم خدمات بقيمة مالية تجاوزت 45 مليون جنيه.

المصدر : الإعلام المصري + الجزيرة + مواقع إلكترونية

زر الذهاب إلى الأعلى