الأخبار

تفجير السفارة الروسية بكابل.. محاولة لتكريس عزلة طالبان وإحراجها

يرى محللون أن الجهة التي استهدفت السفارة الروسية تسعى لإبقاء الحكومة الأفغانية الجديدة في عزلة تامة، وألّا يفكر المجتمع الدولي بفتح سفارات في أفغانستان، ومن ثم عرقلة حصول طالبان على الاعتراف الدولي والمساعدات المالية.

كابل- أدى تفجير انتحاري في مدخل السفارة الروسية بالعاصمة الأفغانية (كابل) إلى سقوط قتلى وجرحى بينهم اثنان من موظفي السفارة. ويعدّ هذا التفجير الأول من نوعه منذ سيطرة حركة طالبان على السلطة في أغسطس/آب 2021، كما أنه يأتي في توقيت سياسي حرج للحكومة الأفغانية وعلاقاتها مع روسيا.

وقالت مصادر أمنية -للجزيرة نت- إن مهاجما انتحاريا تمكّن من الوصول إلى البوابة الرئيسة للسفارة، وفجر حزامه الناسف وسط أشخاص جاؤوا لتسلّم جوازات سفرهم ومعظمهم من الطلاب الحاصلين على منح دراسية في جامعات روسية. وأضاف المصدر أن من بين القتلى مسؤولا في القوات الأفغانية.

خارج الصراع

كانت السفارات الأجنبية خارج دائرة الصراع بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان خلال عقدين ماضيين، ونادرا ما تعرضّت للاستهداف. وخلال حضور القوات الأجنبية في أفغانستان، تعرضت 4 سفارات أجنبية فقط لهجمات:

  • ففي 2015 استهدفت حركة طالبان السفارة الإسبانية بسيارة ملغمة، وأدى ذلك إلى مقتل حارسها.
  • وفي عام 2017 استهدفت السفارة الألمانية في المنطقة الخضراء، وأدى ذلك إلى مقتل أكثر من 90 شخصا وإلحاق أضرار جسيمة بمبناها ومباني سفارتي الهند والعراق.

والسفارة الروسية في كابل واحدة من المقار القنصلية التي لم تتوقف عن أنشطتها في أفغانستان منذ انسحاب القوات السوفياتية من البلاد عام 1989، وبقي طاقهما الدبلوماسي على مستوى السفير بعد انسحاب القوات الأميركية ووصول طالبان إلى السلطة العام الماضي.

وعزز نشاط السفارة الروسية في كابل العلاقات بين طالبان وروسيا، حتى إن روسيا سلمت السفارة الأفغانية في موسكو إلى الحكومة الأفغانية التي تتزعمها الحركة.

عبد السلام حنفي نائب رئيس الوزراء الأفغاني خلال مؤتمر عن أفغانستان بالعاصمة موسكو ويخشى أن يلقي تفجير السفارة بظلاله على العلاقات بين طالبان وروسيا (الفرنسية)

توقيت حرج

وجاء استهداف السفارة الروسية في توقيت حرج للحكومة الأفغانية وروسيا؛ إذ استقبل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف نظيره الطاجيكي سراج الدين مهر في موسكو لمناقشة الوضع الميداني والأمني في جارته الجنوبية أفغانستان.

ويُعدّ استهداف السفارة الروسية الأول من نوعه منذ وصول طالبان إلى السلطة، ولا يمكن الجزم على الفور بهوية منفذيه ومن يرغب باستهداف المصالح الروسية في أفغانستان.

يقول الباحث في الشؤون السياسية والإستراتيجية طارق فرهادي إن “استهداف السفارة محاولة لجرّ روسيا المشغولة في أوكرانيا وسوريا إلى ساحة صراع جديدة في أفغانستان وقرب قواعدها العسكرية في طاجيكستان”.

ورأى فرهادي، في حديث للجزيرة نت، أن التصريحات السابقة لوزير الدفاع الروسي ومسؤولين آخرين عن “الوضع الأمني الهش في أفغانستان بسبب نشاط تنظيم الدولة” لم تأتِ من فراغ.

Wounded men are treated inside a hospital in Kabul
مصابان يتلقيان العلاج في أحد مستشفيات كابل بعد تفجير السفارة الروسية (رويترز)

ضربة قوية

لم تتوقع الحكومة الأفغانية الجديدة أن يصل الأمر إلى استهداف السفارة الروسية، لأنها كلفت عناصرها بتأمين وحراسة جميع السفارات والبعثات الدبلوماسية الأجنبية في كابل. وتحدث وزيرا الداخلية والخارجية الأفغانيين باستمرار عن توفير الحماية اللازمة للسفارات.

لكن بعد اغتيال زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في غارة أميركية على منزله وسط كابل أواخر أغسطس/آب الماضي، واستهداف السفارة الروسية اليوم الاثنين في هجوم انتحاري، يرى خبراء أمنيون أن طالبان تلقت ضربة قوية في حقيقة قدرتها على تنفيذ الوعود التي قدمتها للولايات المتحدة والمجتمع الدولي في اتفاق الدوحة.

يقول مصدر أمني للجزيرة نت “خسرت الحكومة الأفغانية الجديدة ثقة السفارات الأجنبية والبعثات الدبلوماسية في كابل، لأن وصول مهاجم انتحاري إلى مدخل السفارة دليل على اختراق أمني كبير”.

ووفق المصدر، فإن القوات الأفغانية تحتاج إلى تدريب مكثف للتعامل مع هذه الحالات، “وطالبان اليوم تعاني من الاختراق الأمني كما عانت الحكومة السابقة، بعد أن تمكن معارضوها من اختراق صفوفها”.

عزلة دولية

وتحاول طالبان منذ وصولها إلى السلطة إقناع البعثات الدبلوماسية باستئناف عملها وفتح سفاراتها، ولكنها لم تنجح بسبب موقف الإدارة الأميركية من الحكومة التي شكلتها. وبقيت نحو 15 سفارة أجنبية في كابل فقط، من دون أن تعترف دولها بالحكومة الأفغانية الجديدة.

ويقول الباحث والمحلل السياسي حكمت جليل إن الخارجية الأفغانية تعوّل على عمل هذه السفارات وتستغل وجودها في التواصل مع العالم الخارجي، ولكن تفجير اليوم سيدفع عددا من الدول إلى إغلاق سفاراتها أو على الأقل تخفيض عدد موظفيها.

ويعتقد جليل، في حديث للجزيرة نت، أن الجهة التي استهدفت السفارة الروسية اليوم تسعى لإبقاء الحكومة الأفغانية الجديدة في عزلة تامة، وألّا يفكر المجتمع الدولي بفتح سفارات له بأفغانستان، ومن ثم منع طالبان من الحصول على الاعتراف الدولي والمساعدات المالية.

ومنذ عودة طالبان إلى السلطة العام الماضي، تراجع معدل أعمال العنف تراجعا كبيرا، ولكن استهداف السفارة الروسية وتفجير مسجد في هرات غربي البلاد قبل أيام جاءا لإثبات واقع معاكس.

ويقول مصدر أمني سابق للجزيرة نت إن “عودة العنف بهذه الصورة يشكك في قدرة الحكومة الجديدة على التصدي له، بخاصة مع تمكّن الجهات المعارضة لطالبان من اختيار أهدافها في أماكن متفرقة من البلاد”.

زر الذهاب إلى الأعلى