الأخبار

توترات النووي واحتجاجات مهسا والمسيرات.. هل تعيد الملفات الإيرانية إلى مجلس الأمن؟

طهران– منذ انسحاب الولايات المتحدة أحادي الجانب من الاتفاق النووي عام 2018، وعودة عقوبات واشنطن على طهران التي قلصت بدورها التزاماتها في الاتفاق، عملت الحكومة الأميركية السابقة على تفعيل “آلية الزناد” ضد إيران لكن دون جدوى.

ومع عودة الديمقراطيين إلى البيت الأبيض، اتخذت حكومة الرئيس جو بايدن قرارا بإحياء الاتفاق النووي إلا أنها اصطدمت بشروط طهران الرامية إلى رفع جميع العقوبات عنها، مما أدى إلى بلوغ المفاوضات النووية طريقا مسدودا؛ وهو ما مهّد إلى مناقشة الملفات الإيرانية في المؤسسات التابعة للأمم المتحدة.

ودحرجة كرة الملفات الإيرانية في الأروقة الأممية وإصدار قرارات ضد طهران تضع علامة استفهام كبيرة عن تداعياتها واحتمالات عودة شبح “الأمننة” على الجمهورية الإسلامية، بمعنى إضفاء الطابع الأمني على الملفات الإيرانية عند مناقشتها دوليا، واحتمالية إحالتها إلى مجلس الأمن الدولي وعودة العقوبات الأمنية على طهران.

وجّهت الجزيرة نت هذه الأسئلة وغيرها إلى دبلوماسيين سابقين وباحثين إيرانيين، اتفقوا على خطورة المرحلة التي تمر بها البلاد في ظل القرارات الأممية، وشجعوا حكومة بلادهم على إنقاذ الاتفاق النووي، تمهيدا لخفض التوتر مع العواصم الغربية.

في اجتماع بمجلس الأمن الشهر الماضي اتهمت أوكرانيا إيران بتزويد روسيا بطائرات مسيّرة تستخدم في حربها على كييف (الفرنسية)

ما أهم الملفات الإيرانية التي نوقشت في الأروقة الأممية مؤخرا؟ وما القرارات الصادرة بشأنها؟

إطالة أمد المفاوضات النووية في فيينا وفشل الوساطات الرامية إلی إنقاذ الاتفاق النووي أعادا التوتر مجددا إلى العلاقات الإيرانية الغربية، لكن إقرار وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان بإرسال “عدد قليل” من الطائرات المسيّرة إلى روسيا، قبل أشهر من الحرب الروسية على أوكرانيا، زاد الطين بلة وسارع في دحرجة الملفات الإيرانية في الأروقة الأممية خلال الأشهر الماضية.

فقد وافق مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية (المؤلف من 35 دولة) يوم 17 نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم على قرار يأمر إيران “بالتعاون بشكل عاجل مع تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية في آثار اليورانيوم التي تم العثور عليها في 3 مواقع غير معلنة”.

ويُعدّ هذا القرار الثاني من نوعه ضد إيران بشأن تحقيق الوكالة الدولية الذي أصبح عقبة أمام محادثات إحياء الاتفاق النووي، نظرا لمطالبة طهران بإنهاء التحقيق كأحد شروط العودة إلى تنفيذه.

وعقب الاحتجاجات الأخيرة التي انطلقت في إيران منتصف سبتمبر/أيلول الماضي احتجاجا على وفاة الشابة مهسا أميني إثر توقيفها من جانب “شرطة الأخلاق” في طهران بحجة عدم التزامها بارتداء لباس محتشم، تقدّمت ألمانيا وآيسلندا بمشروع قرار يطالب بمعاقبة طهران “بسبب استعمال العنف في مواجهة المتظاهرين السلميين”.

ووافق مجلس حقوق الإنسان الأممي -الأسبوع الماضي- على تشكيل بعثة لتقصي الحقائق بشأن ما وصفها بـ”ارتكاب انتهاكات في الاحتجاجات التي تشهدها إيران منذ أكثر من شهرين”.

في المقابل، قالت ممثلة إيران في مجلس حقوق الإنسان الأممي، خديجة كريمي، إن الدول الغربية تفتقد إلى الصدق الأخلاقي في انتقاد طهران. ووصفت النقاش بأنه “مشين وصادم”، ورفضت جميع الاتهامات، وهاجمت ألمانيا بصفة خاصة، وقالت إنها تنتهك حقوق الإنسان الخاصة بالإيرانيين بالتعاون مع دول أخرى من خلال العقوبات التي فُرضت على طهران.

كما التأم مجلس الأمن الدولي، يوليو/تموز الماضي، بجلسة مغلقة لمناقشة ملف المسيّرات الإيرانية التي يقول الأوكرانيون وحلفاؤهم الغربيون إن روسيا تستخدمها لشن هجمات في أوكرانيا.

وأكدت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، روزماري ديكارلو، في الجلسة المغلقة أن أي نقل للمسيّرات من إيران من دون موافقة مسبقة من المجلس سيمثل انتهاكا للقرار رقم (2231) الذي أيّد الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015.

كيف ردّت السلطات الإيرانية على القرارات الأممية الأخيرة؟

رفضت وزارة الخارجية الإيرانية جميع القرارات الأممية الصادرة بحق الجمهورية الإسلامية، متهمة الدول الغربية بالتآمر ضدها والعمل على تعطيل برنامجها النووي من جهة، والتدخل في شؤونها الداخلية عبر تسييس ملف حقوق الإنسان من جهة أخرى.

وردًا على قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بدأت إيران بتخصيب اليورانيوم بنسبة 60% في منشأة فوردو النووية الواقعة قرب مدينة قم، جنوبي العاصمة طهران، وهو المستوى اللازم لإنتاج قنبلة ذرية. وأبلغت الوكالة أنها قررت استخدام “أجهزة طرد متطورة من طراز آي آر-6 (IR-6) لإنتاج يورانيوم مخصّب لدرجة نقاء 60%”، كما هدّدت “برد حاسم في حال تمت إحالة ملفها النووي إلى مجلس الأمن”.

وفي السياق ذاته، دانت الخارجية الإيرانية “فرض عدد قليل من الدول الغربية قرارا مناهضا لإيران على مجلس حقوق الإنسان”، مؤكدة أنها لن تتعاون مع لجنة تقصي الحقائق المنصوص عليها في القرار الأخير.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، أنّ بلاده “شكّلت لجنة وطنية بحضور خبراء ومحامين وممثلين رسميين وغير رسميين في إطار مسؤولياتها الوطنية، وأنها تقوم بالتحقيق الشامل في الملف”.

لماذا قررت طهران تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% في منشأة فوردو النووية؟

“القرار الإيراني يأتي ردا على تعنّت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي ارتضت بتسييس الملف النووي الإيراني”، وفقا للدبلوماسي الإيراني السفير السابق لدى كل من أوزبكستان وأذربيجان وتايلند، محسن باك آئين، الذي وصف الرد الإيراني بأنه يندرج في إطار سياسة “الالتزام مقابل الالتزام”.

وأوضح باك آئين، للجزيرة نت، أن بلاده تعتقد جدوى مبدأ التعامل بالمثل مع الأوساط الدولية إيجابا وسلبا، مؤكدا أن طهران أعلنت مرارا أنها ستتراجع عن خطواتها التي اتخذتها ردا على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في حال وفاء الأطراف الغربية بتعهداتها فيه.

وتابع أن جذور الاتهامات بشأن العثور على آثار اليورانيوم في مواقع غير معلنة تعود إلى قبل عام 2015؛ إذ أغلق الملف قبيل التوقيع على الاتفاق النووي، واصفا إعادة فتحه بأنه خير دليل علي إقحام السياسة في القضايا التقنية، وأن قرار مجلس محافظي الوكالة الذرية صدر بدوافع سياسية وبضغط من واشنطن والترويكا الأوروبية، على حد قوله.

هل يقضي قرار مجلس محافظي الوكالة الذرية على حظوظ إنقاذ الاتفاق النووي؟

إخفاق الوساطة الأوروبية في تقريب وجهات النظر بين الجانبين الإيراني والأميركي، وبلوغ مفاوضات فيينا النووية طريقا مسدودا، مهد الطريق لعودة الملف النووي إلى اجتماعات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتعقيد الملف النووي المعقد أصلا منذ عقود، إلا أن مراقبين إيرانيين ما زالوا يرون الفرصة سانحة لإنقاذ الاتفاق.

في غضون ذلك، يستشرف السفير الإيراني السابق في النرويج وسريلانكا وهنغاريا، عبد الرضا فرجي راد، ما وصفها بــ”خطة خطيرة” تُحاك ضد بلاده في الأروقة الدولية؛ وفي تحليله لنبرة القرار الثاني لمجلس محافظي الوكالة الذرية، قال إنه يحمل تهديدا مبطّنا بإحالة الملف إلى مجلس الأمن في حال عدم تعاون طهران مع تحقيقات الوكالة.

وفي حديثه للجزيرة نت، يرى الدبلوماسي الإيراني السابق أن الملف النووي أضحى أكثر تعقيدا بعد فشل الوساطات النووية، لكنه يرى بصيص أمل لإنقاذ الاتفاق المبرم عام 2015، معللا ذلك بعدم نعيه من قبل جميع الأطراف الموقعة عليه.

ويحث فرجي راد طهران على بذل تعاون أكبر مع الوكالة الدولية من جهة، والجلوس على طاولة المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة من جهة أخرى، تمهيدا لإحياء الاتفاق النووي ورفع العقوبات والضغوط الخارجية عن الاقتصاد الإيراني، وتوقع أن ترحب واشنطن بأي خطوة إيجابية ترمي إلى إنقاذ الاتفاق.

لماذا ترفض طهران القرار الأممي بتشكيل لجنة تقصي حقائق في الاحتجاجات الأخيرة؟

يعزو أستاذ القانون الدولي بجامعة طهران، يوسف مولائي، سبب رفض طهران التعاون مع لجنة تقصي الحقائق إلى عدم اعترافها أصلا بالقرار الصادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، مؤكدا أن عدم تفاعل بلاده مع القرار الأممي سيرفع وتيرة الضغوط الخارجية عليها.

وفي حديثه للجزيرة نت، أشار مولائي إلى فرض بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة عقوبات ضد أفراد وكيانات في إيران، وهو ما ردت الأخيرة عليها بالمثل. مؤكدا أنه لا تأثير فعليًا لهذه العقوبات على الجانبين الإيراني والأميركي بسبب القطيعة بينهما، لكن العقوبات الأميركية قد تثني الأطراف الأخرى عن التعامل مع طهران.

ويرى مراقبون في إيران أن أي تعامل إيجابي مع لجنة تقصي الحقائق سيفتح الباب على مصراعيه للجانب الغربي للتدخل في شؤون طهران الداخلية، وينتقدون في الوقت ذاته تأخر سلطاتهم في تشكيل لجنة مماثلة تسحب البساط من تحت أقدام الدول التي تتهمها بقمع الاحتجاجات الأخيرة.

من ناحيته، يرى أستاذ القانون الدولي، رضا نصري، أن القرار الأممي بتشكيل لجنة تقصي حقائق يرمي إلى إعادة ملف طهران إلى مجلس الأمن. وقال -في تغريدة على تويتر- إن “الحل لإبطال مفعول هذا القرار –قانونيا وسياسيا وشعبيا– يكمن في تشكيل لجنة داخلية موثوقة للقيام بالمهمة دون تداعياتها المحتملة”.

بيكدلي (مواقع التواصل).
بيكدلي: تدويل الملفات الإيرانية يأتي لزيادة الضغوط الخارجية على طهران (مواقع التواصل)

ما احتمالات “أمننة” الملفات الإيرانية بعد صدور القرارات الأممية الأخيرة على طهران؟

يقرأ علي بيكدلي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الشهيد بهشتي، مناقشة الملفات الإيرانية في الأوساط الأممية في سياق تدويل ملفات طهران وعرضها على الرأي العام العالمي باعتبارها دولة غير طبيعية، تمهيدا لزيادة الضغوط الخارجية ضدها.

وتوقّع بيكدلي -في تصريح للجزيرة نت- إصدار قرار ثالث بشأن الملف النووي الإيراني بعد 3 أشهر، حيث اجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. مؤكدا أن هذا القرار قد ينذر بعودة شبح “الأمننة” الذي خيّم على البلاد حتى توقيع الاتفاق النووي عام 2015.

ورأى أن مناقشة ملفي “المسيرات الإيرانية في الحرب الروسية على أوكرانيا والاتهامات بشأن انتهاك حقوق الإنسان، في أروقة المؤسسات التابعة للأمم المتحدة تأتي للتجييش ضد طهران”، موضحا أن عودة “الأمننة” تعني إعادة جميع العقوبات السابقة على الجمهورية الإسلامية، وإلزام الدول الأخرى بقطع علاقاتها مع طهران.

وخلص بيكدلي إلى أن إحياء الاتفاق النووي سينزع فتيل الأزمة المتفاقمة بين إيران والغرب ويرفع جزءا كبيرا من العقوبات الأميركية عن البلاد ويفتح متنفسا للاقتصاد المختنق بفعل الضغوط الخارجية، مؤكدا أن خفض التوتر بين طهران والعواصم الغربية سينعكس إيجابا على الاستقرار داخل إيران والمنطقة.

زر الذهاب إلى الأعلى