الأخبار

توتر داخل المؤسسة الأمنية في تونس.. مخاوف من معركة كسر عظم بين وزارة الداخلية ونقابات الأمن

تونس- تعيش تونس إلى جانب أزمتها السياسية والاقتصادية على وقع توتر بين وزارة الداخلية والنقابات الأمنية يخشى مراقبون أن يلقي بظلاله على أمن البلاد واستقرارها.

وتفجر الخلاف بعد قرار وزير الداخلية توفيق شرف الدين مؤخرا منع اقتطاع مساهمات منتسبي النقابات من أجور الأمنيين.

النقابات الأمنية رفضت هذا القرار وعدّته انتهاكا من وزير الداخلية ومحاولة منه لتجفيف منابع مواردها المالية تمهيدا للقضاء على العمل النقابي، فيما كثفت وزارة الداخلية عقد مؤتمراتها الصحفية لاتهام نقابات قوات الأمن باقتطاع عشرات ملايين الدنانير من منتسبيها خارج القانون.

على المستوى السياسي، ساندت أطراف موقف وزير الداخلية بحجة أن نقابات الأمن بصدد جر الدولة إلى معركة كسر عظام لفرض نفوذها وتحقيق مغانمها، فيما يرى آخرون أن هذا التوتر جاء نتيجة ما يصفونها بسياسة تدمير المؤسسات التي ينتهجها الرئيس قيس سعيد.

وزير الداخلية وجه انتقادات حادة للنقابات الأمنية (مواقع التواصل)

منع الاقتطاعات

وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي نهاية أغسطس/آب الماضي وثيقة سرية مسربة من وزارة الداخلية تدعو إلى إيقاف الاقتطاعات بداية من سبتمبر/أيلول الجاري إلى حين إعداد نص قانوني ينظم عملية الخصم من رواتب أعوان وزارة الداخلية لفائدة النقابات الأمنية قبل نهاية العام الحالي.

ووجه وزير الداخلية توفيق شرف الدين (أحد الرجال المقربين من الرئيس قيس سعيد) اتهامات حادة إلى النقابات الأمنية خلال مؤتمر صحفي عقده أول أمس الخميس، كاشفا عن أن اقتطاعات هذه النقابات من أجور منتسبيها قد بلغت 40 مليون دينار (13 مليون دولار) في السنة.

وبلهجة صارمة، قال شرف الدين إن تلك الاقتطاعات لصالح النقابات الأمنية -التي تأسست بعد الثورة التونسية عام 2011- تتم خارج أي أطر قانونية، ملاحظا في السياق نفسه أن عددا كبيرا من الأمنيين يرون أن رواتبهم زهيدة بسبب تلك الاقتطاعات الشهرية، كما قال.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فرغم أن التدابير الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيد منذ 25 يوليو/تموز 2021 ارتكزت في تطبيقها على المؤسسة الأمنية فإن شرف الدين لم يتوان للحظة عن تهديد ممثلي النقابات الأمنية بتطبيق القانون عليهم من دون إفلات من العقاب في حال ارتكاب تجاوزات.

 

مساس بالأمن

وكانت وزارة الداخلية أعلنت في أغسطس/آب الماضي عن اتخاذ إجراءات تأديبية في حق أمنيين اثنين على خلفية انسحاب أعوان أمن من تأمين مسرحية لطفي العبدلي بمحافظة صفاقس، واعتبر وزير الداخلية تلك الحادثة عملا خطيرا وانحرافا عن العمل النقابي يمس الأمن العام.

وعلى إثر رفض رجال الأمن تأمين تلك المسرحية بسبب انتقادات ساخرة وجهها الكوميدي “لطفي العبدلي” للأمن عقد الرئيس قيس سعيد اجتماعا مع وزير الداخلية دعا فيه إلى دمج النقابات الأمنية المتعددة، واعتبر أن عدم تأمين الأنشطة الجماهيرية يعد إضرابا مقنعا وإخلالا بالواجب المهني.

ومساء أمس الجمعة سارعت وزارة الداخلية إلى دعوة وسائل الإعلام للكشف عن هويات 3 أشخاص قالت إنهم عناصر إرهابية تمت تصفيتهم في جبل السوم بمحافظة القصرين في الجنوب، لكنها لم تفوت الفرصة لاتهام النقابات الأمنية مرة أخرى بتجاوز ضوابط العمل النقابي والمس بمتطلبات الحفاظ على الأمن.

وقالت الناطقة باسم وزارة الداخلية فضيلة خليفي خلال مؤتمر صحفي أمس الجمعة إنه لا هوادة في تطبيق القانون بحق كل طرف لا يحترم متطلبات العمل الأمني، وأدانت ما قامت به النقابات الأمنية من نصب خيام للاعتصام في عدة مناطق بالبلاد، وهي ممارسات تنضوي تحت طائلة التتبع الجزائي كما قالت.

جانب من خيام الاعتصام المنصوبة من نقابات الأمن/العاصمة تونس/ سبتمبر/أيلول 2022 (مواقع التواصل)
خيمة اعتصام للأمنيين في العاصمة تونس (مواقع التواصل)

توتر داخل الأجهزة

وكانت نقابة قوات الأمن الداخلي دعت منتسبيها إلى نصب الخيام والاعتصام فيها بداية من 31 أغسطس/آب الماضي، احتجاجا على قرار منع اقتطاع المساهمات من الأجور طبقا لتوجيهات وزير الداخلية توفيق شرف الدين، وأيضا رفضا لقرار إحالة نقابيين أمنيين اثنين إلى القضاء العسكري.

والنقابيان الأمنيان محل التتبع الجزائي هما الكاتب العام للنقابة الجهوية لقوات الأمن الداخلي في محافظة قابس كمال نزار وعضو النقابة الأساسية لإقليم الأمن الوطني بصفاقس كريم شراد، وبسبب هذا التتبع وصل الأمر إلى استخدام الغاز المدمع في بعض مناطق اعتصام رجال الأمن.

واندهش التونسيون العالقون في أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية حادة بسبب غلاء المعيشة وندرة السلع الأساسية وغموض الأفق من حالة التوتر الحاصلة في الجهاز الأمني، خاصة مع تداول مقاطع فيديو وصور تظهر رجال أمن عمدوا لإزالة خيام الاعتصام بالقوة، ولا سيما في مطار تونس قرطاج.

وقررت نقابة قوات الأمن الداخلي تفاديا لحدوث انزلاقات خطيرة وتجنبا لوقوع صدامات في أوساط رجال الأمن تعليق اعتصاماتها الجهوية، في انتظار اتخاذ قرارات اعتبرتها مصيرية ستحددها الجلسة العامة الاستثنائية لها يومي السادس والسابع من سبتمبر/أيلول الجاري، وفق ما ذكرته على صفحتها الرسمية في فيسبوك.

وردا على اتهامات وزير الداخلية الأخيرة للنقابات الأمنية قال الناطق باسم نقابة قوات الأمن الداخلي شكري حمادة للجزيرة نت إن ما ذكره الوزير في المؤتمر الصحفي فيه كثير من المغالطات، مؤكدا أن الهدف من قراراته تجفيف منابع الموارد المالية للنقابات الأمنية تمهيدا لقبرها، حسب تعبيره.

واعتبر حمادة أن نصب الخيام هو شكل من الاحتجاج السلمي لا يتعدى على حرية العمل، ولا يشكل بأي حال جريمة في الطريق العام حتى تتم مداهمتها وإزالتها بالقوة بشكل تعسفي، مشيرا إلى أن العمل النقابي مكفول بالدستور وبالمواثيق الدولية الموقعة عليها تونس.

 

مواقف سياسية متباينة

في المقابل، يرى القيادي بحركة النضال الوطني أحمد الكحلاوي في حديث للجزيرة نت أنه من غير المقبول تكوين نقابات أمنية داخل وزارة الداخلية، مشيرا إلى أن القوات الحاملة للسلاح -ولا سيما منتسبي المؤسسة الأمنية- يجب عليها الحفاظ على الأمن وليس جر وزارة الداخلية إلى معركة كسر عظام.

ويقول الكحلاوي إن النقابات الأمنية لم تحترم أسس العمل النقابي المتمثل في الدفاع عن الأوضاع الاجتماعية لمنتسبيها، معتبرا أن نصب الخيام في مناطق عدة بالبلاد للاحتجاج فيه انحراف خطير عن العمل النقابي أمام التحديات الخطيرة التي تشهدها البلاد في مكافحة الإرهاب والجرائم وغيرها.

من جهة أخرى، قالت شيماء عيسى القيادية في جبهة الخلاص المعارضة للرئيس قيس سعيد إن حق دفاع النقابات في كل القطاعات عن حقوق منتسبيها هو حق مكفول دستوريا ومنصوص عليه في دستور 2014 الذي ألغى الرئيس الحالي العمل به وعوضه بدستوره “الانقلابي” الجديد، حسب وصفها.

وترى عيسى أن الرئيس سعيد اتكأ عند إعلانه التدابير الاستثنائية في يوليو/تموز من العام الماضي على ذراع النقابات الأمنية “لينجز انقلابه”، معتبرة أنهم ضحايا تم استخدامهم لضرب المعارضة وتخويف التونسيين، وقالت إن الانقسام وسط المؤسسة الأمنية يعكس حالة الفوضى وغياب الاستقرار.

زر الذهاب إلى الأعلى