الأخبار

حق الجمهور أم سمعة الضحايا؟.. أي جدوى لحظر النشر في قضايا الرأي العام؟

القاهرة ـ لا تزال أصداء جريمة قتل الطالبة الجامعية ذبحا بالشارع تتردد في الأوساط المصرية على أكثر من مستوى، خاصة مع صدور حكم بإعدام المتهم في القضية التي تم حظر النشر فيها سابقا.

وقضت محكمة “جنايات المنصورة” في جلستها المنعقدة اليوم الأربعاء، بالإعدام شنقا لقاتل الطالبة نيرة أشرف أمام جامعة المنصورة، وذلك بعد إحالة أوراقه للمفتي في جلسة الأسبوع الماضي وأخذ الرأي الشرعي لمفتي الجمهورية.

وكان طالب بجامعة المنصورة شمال القاهرة قد قتل زميلته بنفس الجامعة ذبحا بالسكين أمام الجامعة على مرأى من المارة، والضحية هي أيضا من نفس بلدته بمدينة المحلة وسط الدلتا.

ومع تعدد مستويات الجدل بشأن القضية بين الدين والعلاقات الاجتماعية وانتشار العنف، تجادل البعض حول قرار حظر النشر في القضية التي أثارت الرأي العام المصري خلال الأسابيع الماضية.

ورأى متابعون أن قرار السلطات بحظر النشر كان في محله، حيث منع القرار اتساع رقعة التعاطف مع القاتل، ودخول محامين معروفين قبل يومين على خط القضية طلبا لمزيد من الأضواء.

وفور إدلاء القاتل بأقواله ومحاولته تحميل الضحية جانبا من المسؤولية، سرت موجة من التعاطف مع القاتل أثارت دهشة مراقبين ودفعتهم للمطالبة بحظر النشر حفاظا على سمعة الضحية.

في المقابل، استنكر مغردون قرار حظر النشر باعتباره حرمانا لحق المجتمع في متابعة قضية رأي عام تتعلق بواحدة من أخطر الجرائم التي شهدتها مصر مؤخرا.

سوابق الحظر

واستدعى القرار بالحظر مخاوف من وقائع قديمة كان من بينها:

  • محاكمة رئيس أركان الجيش الأسبق سامي عنان عقب ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2018.
  • في عام 2015 جرى حظر النشر في قضية مصرع محام داخل قسم المطرية شرق القاهرة.
  • في العام ذاته 2015 جرى حظر النشر في قضية مقتل النائب العام المستشار هشام بركات إثر تفجير موكبه.
  • في العام التالي 2016 تقرر حظر النشر في القضية المعروفة إعلاميا باسم “تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات” بشأن حجم الفساد الذي تجاوز 600 مليار جنيه (32 مليار دولار تقريبا)، وفق رئيس الجهاز السابق والمحبوس حاليا هشام جنينة.
  • العام الماضي 2021، قررت محكمة استئناف القاهرة حظر النشر في القضية التي عُرفت إعلاميا بقضية آثار شقة الزمالك، عقب ضبط كميات ضخمة من الآثار والتحف القديمة في إحدى الشقق السكنية، بمنطقة الزمالك وسط القاهرة.
  • وسبق هذه القضية حظر النشر في قضية “الفيديوهات الفاضحة” لممثلتين واتهام المخرج خالد يوسف الذي ترك مصر قبل أن يعود مرة أخرى العام الماضي.
  • من بين القضايا العادية أيضا التي أثارت الدهشة لحظر النشر فيها عام 2016، قضية ضبط سكرتير تحقيق ومحام، بتهمة تزوير أحكام قضائية.
  • سبقها بعام قيام السلطات بحظر النشر في التحقيقات التي تجريها النيابة العامة في واقعة “رشوة وزير الزراعة” الذي حُكم عليه لاحقا بالسجن 10 سنوات وتغريمه مليون جنيه (53 ألف دولار تقريبا).

سلاح ذو حدين

في هذا السياق، يرى “قطب العربي” الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للصحافة أنه كثيرا ما جرى استخدام حظر النشر في غير موضعه.

وفي حديثه للجزيرة نت، تابع العربي أن حظر النشر “سلاح ذو حدين. الأصل فيه استخدامه لضمان العدالة، لكنه استخدم كثيرا في القضايا السياسية، لطمس العدالة ولظلم المتهمين ولمنع حدوث أي تفاعل معهم”، وفق وصفه.

وفي واقعة فتاة جامعة المنصورة، يبدي العربي ميلا لفكرة الحظر، لأن المجتمع هنا إزاء “قضية اجتماعية ذات أبعاد أخلاقية” تتطلب من المحكمة ضبط الحوار حولها، وذلك من أجل منع التأثير على المحكمة من خلال شهادات أو أقوال تشوش على عملها.

ولا يمس الحظر هنا بحق الناس في المعرفة، وفق رأي المتحدث، رغم إقراره بحق المواطنين في الاطلاع على ما يجري في المحاكم عموما، مع ضرورة توافر ضمانات لعلنية المحاكمات؛ “فهو الأصل” ما لم تقرر المحكمة رأيا آخر، بناء على حيثيات قوية، وذلك حتى لا يُستخدم هذا السلاح بغير مبرر في يد القضاة.

توجيه الرأي العام

وحول تأثير حظر النشر إيجابا وسلبا في مسار القضايا، رأى مصطفى خضري رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام (تكامل مصر) أن هناك مشكلة في مثل هذه القضايا، التي يمكن أن يكون فيها مساس بالأعراض، حيث تصبح مادة دسمة لمواقع التواصل الاجتماعي سواء حدث حظر للنشر أم لم يحدث.

وفي حديثه للجزيرة نت، أشار خضري إلى أن هناك جهات تستخدم مثل هذه القضايا لإعادة توجيه الرأي العام بعيدا عن القضايا الملحة للبلاد، عن طريق شغل المجتمع بالأخبار الساخنة وتوجيه الإعلاميين والسياسيين والمحسوبين على الجهات الدينية؛ للدخول في مساجلات لتأييد أحد الطرفين في مقابل الطرف الآخر.

وأكد الباحث المصري أنه يمكن الموازنة بين حق الضحية والمتهم من ناحية، وبين حق الرأي العام بالمعرفة من ناحية أخرى، “شرط أن تتقدم العدالة وصون الأعراض على حق الرأي العام في المعرفة”، لافتا إلى أن المتابَعة لخط سير كل القضايا الجنائية التي أثارت الرأي العام خلال السنوات الأخيرة؛ تُبيّن أن هذه القضايا “وجهت بطريقة أو بأخرى للتلاعب بالرأي العام، في انتهاك واضح لحقوق أطراف القضية وللعدالة”، وفق ما يعتقد.

القانون والحقوق

ومن الناحية القانونية، يستند قرار هيئة المحكمة بحظر النشر على نص المادة 268 من قانون الإجراءات الجنائية بأن تكون الجلسة علنية، ويجوز للمحكمة مع ذلك -مراعاة للنظام العام أو محافظة على الآداب- أن تأمر بسماع الدعوى كلها أو بعضها في جلسة سرية، أو تمنع فئات معينة من الحضور فيها.

وعقوبة مخالفة ذلك بالنشر هي الحبس مدة لا تتجاوز سنة وغرامة لا تقل عن 5 آلاف جنيه، ولا تزيد على 10 آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وإذا كان المتهم مؤسسة صحفية عوقبت بالحجب من الصدور، وإذا كان برنامجا يُمنع بثه، وإذا ضُبط أي شخص في أي وسيلة علنية يخترق الحظر يتعرض للمساءلة القانونية، سواء في مواقع التواصل الاجتماعي أو الإعلام أو الصحافة.

وفي ورقة بحثية حول الضوابط القانونية لقرارات حظر النشر، أكد الباحث أسامة أحمد عبد النعيم (رئيس محكمة) أن تزايد أعداد القضايا التي صدرت فيها قرارات بحظر النشر، تثير جدالا واسع النطاق في الأوساط القانونية والحقوقية، حتى إنها أصبحت مقترنة بمعظم القضايا التي تهم الرأي العام، وفق الباحث.

وانتهت الورقة البحثية المقدمة إلى مؤتمر القانون والإعلام قبل سنوات إلى عدد من التوصيات، منها ضرورة تطوير الفهم القانوني والقضائي لفكرة الحق في المعرفة والحق في تداول المعلومات، بما يطور المفهوم القديم.

وأوصى الباحث بضرورة ضبط ومعالجة سلطة جهة التحقيق أو المحاكمة في إصدار مثل هذه القرارات، بالنص على مواقيت وحالات التحرك القانوني لإصدارها، وتحديد الشكل القانوني المفترض فيها باستلزام الاستناد إلى أسباب حقيقية محددة.

المصدر : الإعلام المصري + الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي

زر الذهاب إلى الأعلى