الأخبار

رسائل بيروت إلى تل أبيب عبر واشنطن.. حقل قانا للبنان مقابل كاريش لإسرائيل

يرى مراقبون أن الاهتمام الأميركي المستجد بالصراع بين تل أبيب وبيروت يتجاوز مطالب لبنان بزيارة الوسيط الأميركي بعد قدوم الباخرة الإسرائيلية إلى حقل كاريش، ويصل إلى هواجس إقليمية بشأن مصادر الطاقة بالمنطقة والعالم.

بيروت- حسم لبنان موقفه الرسمي من مسار المفاوضات التقنية غير المباشرة مع إسرائيل لترسيم حدوده البحرية الجنوبية؛ فقدم للوسيط الأميركي أموس هوكستين ردا شفهيا عنوانه الرئيسي: تمسك لبنان بحقه الكامل في الخط 23 مستقيما مع حقل قانا وبلا تعرجات تقضم من مساحاته، والرغبة في استئناف المفاوضات​.

وكرس لبنان الرسمي موقف الرئيس اللبناني ميشال عون الرافض توقيع مرسوم 6433 لعدم إغلاق باب التفاوض. وكان المرسوم -الذي وقعه رئيس الحكومة الأسبق حسان دياب- يرتكز على خرائط الجيش اللبناني التي ترى أن مساحة المنطقة المتنازع عليها مع إسرائيل تصل إلى الخط 29، وتبلغ 2290 كيلومترا، وتشمل حقل كاريش، حيث ترسو سفينة “إنرجين باور” لاستخراج الغاز الطبيعي المسال وتخزينه، وشكّل وصولها الأسبوع الماضي شرارة التوتر بين لبنان وإسرائيل.

رسائل عبر هوكستين

وجاء الوسيط الأميركي إلى بيروت بناء على طلب رسمي من لبنان بعد قدوم السفينة الإسرائيلية إلى كاريش، والتقى يومي الاثنين والثلاثاء الرؤساء والمسؤولين اللبنانيين، وسمع منهم موقفا وصفه محللون بالمتقدم والجريء، ولم ينقل إلى إسرائيل جوابا خطيا حول التمسك بخط 23 مستقيما مع حقل قانا، حتى لا تعده إسرائيل تنازلا رسميا عن المنطقة المتنازع عليها بين خطي 23 و29.

وبعد 5 جولات تفاوضية تقنية غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية ورعاية أممية باءت بالفشل -بين أكتوبر/تشرين الأول 2020 ومايو/أيار 2021- زار هوكستين بيروت في مارس/آذار 2022، وقدم مقترحا يعكس رؤية تل أبيب حول ترسيم الحدود، ورفضه الجانب اللبناني؛ ومفاده الانطلاق من بداية الخط 23 متعرجا، عبر اقتطاع نحو 20% من حقل قانا وجزء من البلوك 8، الذي يفترض أن يكون للبنان كاملا.

ووفق المحلل السياسي داود رمال فإنن مضمون الموقف اللبناني -الذي تبلغه الوسيط الأميركي- يتمثل في تمسك لبنان بالخط 23 مستقيما كما ثبته لدى الأمم المتحدة عام 2011 مع حقل قانا، كما بلغ هوكستين أنه إلى حين الاتفاق على خط ترسيم بحري، فعلى الوسيط الأميركي أن يلزم الجانب الإسرائيلي بوقف أي نشاط استثماري أو استخراجي للغاز والنفط من المناطق المتنازع عليها، وتجميد أي نشاط بحقل كاريش.

كما تبلغ المبعوث مطلب لبنان لبدء عمليات التنقيب والاستثمار “بالبلوكات” اللبنانية غير المتنازع عليها، وفتح باب التراخيص للشركات، بعد حصولها على تطمينات أميركية لتعمل بحرية. وأن لبنان يريد جوابا سريعا على موقفه، مع العودة إلى المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود إذا كان هناك جواب إيجابي من الجانب الإسرائيلي.

وقال رمال للجزيرة نت إن ما يريده لبنان -في الحد الأدنى- خط 23 مستقيما مع قانا، و”إذا تبينت لاحقا أي اكتشافات لحقول مشتركة تحت هذا الخط، سيطالب بالبحث بها”.

لبنان أبلغ الوسيط الأميركي بحقه الكامل في الخط 23 مستقيما مع حقل قانا وبلا تعرجات (رويترز)

من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي حسين أيوب أن مصطلح “حقل قانا” غير علمي، انطلاقا من قاعدة أن “الحقل يُعلن عنه بعد المسح والاستكشاف والحفر والتنقيب والاستخراج، مما ينسف معادلة قانا مقابل كاريش، كون الأخير بلغ مرحلة الاستخراج، في حين لبنان لم يستطلع ويستكشف ويحفر في قانا”، مذكرا أن لبنان بعد دخوله نادي الدول الغازية قبل 3 سنوات، تبين أن “البلوك 4” غير واعد بكميات الغاز بعد عمليات الحفر.

ويقول أيوب للجزيرة نت إن المعادلة التي أرساها لبنان تتجاوز الخط 23، ويرجح إذا حصل على التزام أميركي به يجعله اقتراحا خطيا يسقط معه الخط 29، وإذا جاء الجواب سلبيا يستخدم لبنان سلاح الخط 29. ويرى المحلل أن الانتصار الذي حققه لبنان بزيارة الوسيط الأميركي إرساء لمعركة جديدة مع إسرائيل قوامها موقف لبناني رسمي موحد، والتالي هو قطع الطريق على محاولتها التسلل من الشقاق السياسي اللبناني من أجل إحداث إرباك وإظهار اللبنانيين شعوبا بمنازل كثيرة.

وهكذا، لم يعد لبنان في موقع ضعيف، وفق أيوب، “شرط عدم تردده إذا جاء الجواب الأميركي أو الإسرائيلي سلبيا. حينها عليه إرسال المرسوم 6433 معدل بالخط 29 إلى الأمم المتحدة”.

إسرائيل والترسيم وتحديات الطاقة

تجد الكاتبة والمحللة السياسية روزانا بومنصف أنه لا جديد في الموقف اللبناني لجهة التمسك بالخط 23، سوى أنه جاء موحدا. وتقول للجزيرة نت إن لبنان يدافع عن حقه الطبيعي، لكن موقفه هش نتيجة وضعه الاقتصادي والمؤسساتي الضعيف والمنحل.

وترى أن الاهتمام الأميركي المستجد بالصراع بين تل أبيب وبيروت يتجاوز مطالب لبنان بزيارة الوسيط الأميركي بعد قدوم الباخرة الإسرائيلية إلى حقل كاريش، ويصل إلى هواجس إقليمية حول مصادر الطاقة بالمنطقة والعالم، خاصة أن الدول الأوروبية تفتش عن مصادر لإمداد النفط بعد الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

لذا، تجد روزانا بومنصف أن بلوغ مرحلة ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل يتطلب إرادة إقليمية ودفعا دوليا، في ظل الاستحقاقات الداهمة، سواء بإسرائيل الغارقة في اضطرابات حكومتها المفككة، وسواء بلبنان الغارق في استحقاقات داهمة بلا حكومة جديدة وفي الأشهر الأخيرة من عهد الرئيس ميشال عون.

وحول توقعات الرد الإسرائيلي، ترجح الكاتبة حرص تل أبيب على ضمان حقولها وكاريش ضمانا للاستثمار بها، ولرغبتها الشديدة في بيع الغاز لأوروبا في أقرب وقت.

ورغم سقوف التهديدات بين إسرائيل وحزب الله اللبناني، تستبعد روزانا رغبة الطرفين في الذهاب نحو الحرب على خلفية ترسيم الحدود والنزاع على الحقول، وإن كانت خيارا أخيرا مطروحا على طاولة الطرفين. وتذكر أن إيران وإسرائيل تخوضان حروبا بالواسطة في جبهات عديدة، في حين ما زالت الجبهة اللبنانية مؤجلة، حسب رأيها، نظرا لخطورتها وحساسيتها. وقالت “حتى حزب الله يمكن أن يوجه ضربات موجعة لإسرائيل، لكن الثمن مقابلها كبير في ظل انحلال بنية لبنان التحتية”.

من جانبه، يرى داود رمال أن الرد الإسرائيلي على الموقف اللبناني يصعب تكهنه، لأنها تريد الاستمرار في تمييع الوقت واستهلاكه كي تتمكن من سرقة الثروات في المناطق المتنازع عليها. وما يبنى عليه -في رأيه- أن مجرد عودة إسرائيل إلى المفاوضات بعد التبليغ الشفهي اللبناني يعني قبولا مبدئيا على ما تضمنه. وقال رمال إن الكرة في ملعب إسرائيل لتحديد إذا كانت الأمور تتجه نحو الإيجابية أو السلبية، خاصة أن لبنان قدم أقصى التنازلات في ملف الحدود البحرية.

ويعتقد حسين أيوب أنه إذا كانت إسرائيل مستعجلة للتنقيب في كاريش فقط، فهذا من شأنه فتح الأبواب، أما إذا كان الاستعصاء الإسرائيلي مرتبطا بمشروع مدّ أنابيب إلى أوروبا عبر تركيا، فهي لن تقبل بالخط 23، بل ستبقى متمسكة بالمنطقة المقتطعة من “البلوك 8″ من أجل تمرير الأنبوب الإسرائيلي، و”عندها سيتحول ملف الترسيم لألغام متفجرة”.

زر الذهاب إلى الأعلى