الأخبار

عامان على اتفاق الدوحة.. أسئلة التكلفة وانهيار الجيش الأفغاني تلاحق الإدارة الأميركية

بعد 6 أشهر من سيطرة طالبان على أفغانستان، تلتزم الحركة ببنود اتفاقية الدوحة، وخاصة باتخاذ إجراءات غير محددة لمنع الجماعات الأخرى (بما فيها تنظيم القاعدة) من استخدام الأراضي الأفغانية لتهديد الولايات المتحدة. ومنذ استكمال الولايات المتحدة انسحابها، يغيب وجود أي عسكري أو دبلوماسي أميركي عن أفغانستان.

واشنطن- مثّل استكمال الانسحاب الأميركي من أفغانستان الحدث الأبرز خارجيا خلال العام الأول من حكم الرئيس جو بايدن. ووصف معلقون “سقوط كابل” بأنه حدث تاريخي يشبه “لحظة سايغون” والانسحاب المهين من فيتنام بالنسبة لإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن.

ورآها البعض بأنها تماثل “لحظة تأميم قناة السويس” عام 1956، وهي الأزمة التي ارتبطت ببداية انحدار قوة بريطانيا العالمية، ومقارنتها بما يمكن أن تؤول إليه علاقة واشنطن بحلفائها في غرب أوروبا وشرق آسيا.

ومع حلول الذكرى السنوية الثانية لتوقيع اتفاقية الدوحة (29 فبراير/شباط 2020) التي مهّدت الطريق للانسحاب الأميركي من أفغانستان بعد 20 عاما، يلقي البعض باللوم على دور الاتفاقية وتبعات الانسحاب الفوضوي، وكيف شجع ذلك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، على اتخاذ قراره بالحرب على أوكرانيا.

اتفاق في الدوحة بعد حرب دامت 20 عاما في أفغانستان (الجزيرة)

انسحاب أميركي وسيطرة طالبان

في الوقت الذي اعتبر فيه كثير من المعلقين الأميركيين أن انسحاب قوات بلادهم باتفاق مع طالبان يمثل هزيمة كبرى لواشنطن بعد الفشل في تحقيق أهداف وجودهم هناك، لم ترحب دوائر أميركية بنتائج الانسحاب الكامل من أفغانستان، لا سيما بعدما سيطرت حركة طالبان على كامل التراب الأفغاني.

وتشير دراسة صدرت عن مبادرة “تكلفة الحرب” -وهي مشروع بحثي مشترك بين جامعتي “براون” و”بوسطن” الأميركيتين- إلى أن تكلفة الحرب في أفغانستان تخطت التريليون دولار، إضافة إلى مقتل أكثر من 2400 جندي أميركي و3943 متعاقدا حكوميا، منذ بدء القتال نهاية عام 2001 وحتى توقيع اتفاق السلام بين حركة طالبان وإدارة ترامب نهاية فبراير/شباط 2020.

ونشر البيت الأبيض وثيقة الدليل الإستراتيجي المؤقت للأمن القومي في مارس/آذار الماضي، وجاء فيها أن الولايات المتحدة “لا ينبغي أن تنخرط، ولن تشارك، في حروب إلى الأبد، كلفت آلاف الأرواح وتريليونات الدولارات. وسنعمل على إنهاء أطول حرب تشنها أميركا في أفغانستان على نحو مسؤول، مع ضمان ألا تصبح أفغانستان مرة أخرى ملاذا آمنا للهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة”. ومهّد ذلك لإكمال الرئيس بايدن ما بدأه ترامب من تفاوض بغرض الانسحاب الكامل من أفغانستان.

وتقول واشنطن إنها كانت تهدف إلى القضاء على تنظيم القاعدة، وإنها حققت ذلك إلى حد كبير، كما أنها أدركت -بعد كل هذه السنوات من الحرب- أن حركة طالبان جزء من المجتمع الأفغاني ولا يمكن القضاء عليها عسكريا.

اتفاق ترامب ولوم بايدن

كرر الرئيس السابق ترامب أنه يريد أن يخرج من النزاعات العسكرية المسلحة، في مسعى للظهور بأنه استطاع تحقيق النجاح في قضية فشل فيها الرئيسان السابقان جورج بوش الابن وباراك أوباما.

وفعلا، بعد أكثر من عام من مفاوضات شاقة في العاصمة القطرية، توصّلت إدارة ترامب وحركة طالبان لاتفاقية الدوحة التي استثنيت منها حكومة الرئيس الأفغاني السابق أشرف غاني.

وبعد هزيمة ترامب في انتخابات 2020، ورث بايدن اتفاق الانسحاب الذي توصل إليه سلفه مع طالبان في الدوحة. وأعلن بايدن إبريل/نيسان الماضي التزامه بسحب قواته المتبقية والبالغ عددها 2500 جندي وعودتها إلى الأراضي الأميركية بحلول 31 أغسطس/آب 2021، بعد موافقة طالبان على تمديد موعد الانسحاب.

وكرر بايدن أنه يرفض توريث الحرب في أفغانستان إلى رئيس خامس، وعبّر عن إيمانه بأنه لم يكن ينبغي للحرب أن تنتقل إليه بعد ما يقرب من 20 عاما على بدايتها.

وبعد استكمال الانسحاب الأميركي في أغسطس/آب الماضي، تنازع واشنطن 3 آراء بشأن تعاملها المستقبلي مع أفغانستان؛ إذ يرى فريق ضرورة أن تطوي واشنطن صفحة أفغانستان وتتركها لشأنها مع غياب أي مصالح أميركية حيوية هناك. في حين يرفض آخرون هذا الطرح، ويطالبون بالتمهل وعدم حسم خيار التعامل مع النظام الجديد في كابل. أما الفريق الثالث، فيرى ضرورة عدم ترك أفغانستان لقمة سائغة في يد منافسي أميركا، مثل روسيا أو الصين أو إيران.

وبسبب عدم تشكيل حركة طالبان لحكومة موسعة تشكل كل ألوان الطيف السياسي الأفغاني، ترفض إدارة بايدن الاعتراف بالنظام الجديد في كابل والتعامل المباشر معه.

Evacuation from Hamid Karzai International Airport in Kabulانسحاب القوات الأميركية والمتعاونين معها من مطار كابل نهاية أغسطس/آب 2021 (رويترز)

مسؤولية بايدن

وأوضح الرئيس الأميركي أن الحرب في أفغانستان كلفت بلاده نحو 300 مليون دولار يوميا على مدى عقدين، أي ما يقرب من أجمالي 2.2 تريليون دولار. ويكرر بايدن أنه وحده المسؤول عن قرار الانسحاب من أفغانستان بعد البقاء هناك 20 عاما.

ولم يتنبأ أحد في واشنطن بالانهيار السريع الصادم للدولة والجيش الأفغانيين، رغم تلقي بايدن -خلال الأيام الأولى من حكمه- تقديرات من فريق الأمن القومي تؤكد أن سحب جميع القوات قد يؤدي إلى انهيار الحكومة الأفغانية في نهاية المطاف، واستيلاء طالبان على السلطة.

وفي خطاباته المتكررة، يؤكد الرئيس السابق ترامب أنه لو بقي رئيسا لما شهدنا فوضى ومهانة الانسحاب الأميركي من أفغانستان.

وبعد مرور أكثر من عام على حكم بايدن، ومرور 6 أشهر على الانسحاب من أفغانستان، لم يقدم البيت الأبيض إجابة على سؤال رئيسي؛ وهو لماذا فشل بايدن ومساعدوه بشكل مذهل في تقدير هشاشة الحكومة والجيش الأفغانيين؟

وبعد 6 أشهر من سيطرة طالبان على أفغانستان، تلتزم الحركة ببنود اتفاقية الدوحة خاصة فيما يتعلق باتخاذ إجراءات -غير محددة- لمنع الجماعات الأخرى (بما في ذلك تنظيم القاعدة) من استخدام الأراضي الأفغانية لتهديد الولايات المتحدة.

ومنذ استكمال الولايات المتحدة انسحابها، يغيب وجود أي عسكري أو دبلوماسي أميركي أفغانستان حتى فبراير/شباط 2022.

وقبل أيام من حلول الذكرى الثانية لاتفاقية الدوحة، وقّع بايدن أمرا تنفيذيا يقضي بتحويل 7 مليارات دولار أميركي من الأموال المجمدة للبنك المركزي الأفغاني في مصارف أميركية إلى مساعدات إنسانية في أفغانستان، وإلى تعويضات للمتضررين من هجمات “11 سبتمبر/أيلول”.

من ناحية أخرى، نال استيلاء طالبان على السلطة اهتماما مكثفا من جانب الكونغرس، ووصف العديد من الأعضاء انسحاب أغسطس/آب 2021 بأنه فوضوي وأضر بمصالح الولايات المتحدة ومكانتها العالمية، وقال البعض إنهم يؤيدون الانسحاب، ولكن ليس بالطريقة التي تم بها ذلك.

وتدافع إدارة بايدن عن الانسحاب باعتباره يساعد على جعل الولايات المتحدة أكثر استعدادا لمواجهة تحديات أخرى، وأكثر أهمية من الناحية الإستراتيجية ظاهريا، مثل تلك التي تفرضها روسيا والصين. إلا أن الحرب الروسية على أوكرانيا تشير إلى عكس ما انتهت إليه إدارة بايدن.

زر الذهاب إلى الأعلى