الأخبار

عام على “الهروب الكبير” من جلبوع.. هكذا ينتقم الاحتلال من أسرى نفق الحرية وعائلاتهم

بينما عانى الأسرى “العارضة” و”انفيعات” و”القادري” وعائلاتهم من إجراءات قمعية كمنع الزيارة وملاحقة الأقارب بالاعتقال والتنكيل ومنع تصاريح العمل والعلاج، كانت العقوبات مختلفة مع الأسيرين أيهم كممجي وزكريا الزبيدي، حيث قتل الاحتلال شقيقيهما.

رام الله- في 30 أغسطس/آب الماضي تمكّن أيوب وريم أشقاء الأسير الفلسطيني يعقوب القادري من زيارته في سجن عسقلان بعد عام كامل من منع الاحتلال الإسرائيلي زيارته. في الدقائق الأولى لم يتمكن ثلاثتهم من الحديث وسط بكاء شديد، وقال أيوب “لم يكن يعقوب الذي نعرفه؛ فآثار التعب والإرهاق غلبت عليه”.

كانت هذه الزيارة الأكثر وجعا بالنسبة للأشقاء الثلاثة، إذ جاءت لأول مرة بعد وفاة والدتهم (في مايو/أيار 2022)، حيث منعت إدارة سجون الاحتلال العائلة من إبلاغ يعقوب برحيلها، وعلم صدفة عبر سماعة في أطراف السجن كانت تبث برنامجا إذاعيا من محطة محلية فلسطينية.

يقول محمد القادري (شقيق الأسير يعقوب) للجزيرة نت “شُخّصت حالة والدتي بالسرطان، فنسقنا مع تلفزيون فلسطين -المحطة الوحيدة المسموح للأسرى بمشاهدتها- لبث مشاهد لها من المستشفى كي يتمكن يعقوب من رؤيتها لآخر مرة، لكن لم نكن نعلم أنه محروم من مشاهدة التلفاز أيضا”.

والعزل ومنع الزيارة وحرمان الأسير القادري من مشاهدة التلفاز أو التواصل مع المحامي بشكل دوري من أساليب القمع والتنكيل التي فرضتها سلطات الاحتلال عليه وعلى الأسرى محمود العارضة، وزكريا الزبيدي، وأيهم كممجي، ومناضل انفيعات، ومحمد العارضة، في خطوة انتقامية بعد تمكنهم في السادس من سبتمبر/أيلول من العام الماضي، من تحرير أنفسهم عبر حفر نفق أسفل سجن جلبوع أكثر السجون الإسرائيلية تحصينا.

وخلال 5 أيام تمكّن القادري من تنسم الحرية قبل أن يُعاد اعتقاله هو ومحمود العارضة من مدينة الناصرة بالداخل، بينما أُعيد اعتقال الزبيدي ومحمد العارضة في منطقة الجليل في اليوم التالي، والأسيرين كممجي وانفيعات بعد أسبوعين.

الأسير يعقوب القادري حرمه الاحتلال العلاج ولم يبلغ بوفاة والدته (رويترز)

انتقام ممنهج

فور إعادة اعتقال القادري بدأ الاحتلال التنكيل به؛ وتعرض للضرب ولتحقيق قاسٍ، واحتجز داخل أقسام مخصصة للسجناء الجنائيين في زنزانة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الآدمية مع مراقبة بكاميرات طوال الوقت.

وعُزل عن العالم الخارجي، إلى جانب حرمانه من الكانتينا (بعض المواد الغذائية التي يشتريها الأسير من بقالة السجن)، ومن زيارة الأهل والمحامين، وكان يتم نقله من سجن لآخر كل 3 أشهر.

ووصف القادري خلال جلسة محاكمته في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ما يتعرض له وظروف احتجازه قائلا “نحن نعيش داخل مقابر”.

وطالت العقوبات عائلة القادري وباقي عائلات الأسرى. فمنذ اللحظة الأولى لاكتشاف هروبهم، تلقى أشقاؤه الخمسة وأبناؤهم اتصالات من مخابرات الاحتلال لتسليم أنفسهم، وتم مطاردة من رفض الانصياع للأوامر. وتعرضت منازل العائلة لاقتحامات متواصلة حتى بعد إعادة اعتقاله، مع التنكيل بأشقائه وحرمانهم من الحصول على تصاريح عمل أو زيارته.

ووصلت العقوبات حد حرمانه من العلاج بالرغم من تشخيص إصابته بورم في الغدة الدرقية وتعرضه لحالات تشنج تستمر لساعات طويلة. يقول شقيقه محمد “نسّقنا مع “أطباء بلا حدود” لإجراء الفحوصات اللازمة له وسحب خزعة ولكن الاحتلال ما يزال يماطل، لم يتم تقديم أي نوع من العلاج له حتى الآن”.

التحام متواصل مع السجّان

من عزله في سجن هداريم الإسرائيلي، كتب الأسير محمود العارضة، الذي عرف باعتباره “مهندس عملية نفق الحرية”، قائلا “نحن في العزل الانفرادي داخل زنازين العدو نسير على الجمر دون أن نخاف الحرق.. نطالب بالحرية وسنحصل عليها رغم أنف العدو عن قريب”.

ولم تكن رسالة زميله في الهروب، محمد العارضة، من عزله في سجن إيلون الإسرائيلي، بعيدة عن هذا الوصف فكتب “تجربة العزل تجربة شاقة وفي التحام متواصل مع السجان وأعوانه.. هذه التجربة أعطتني كثيرا من الحقائق، أرى فيها الكره وأساليب القهر والإهمال المقصود والمتعمد والمخطط له على وجه الحقيقة والخيال”.

فلسطيني يحمل صورة الشهيد داوود الزبيدي، ويطالب بتسليم جثمانه حيث اتهمت عائلته الاحتلال باغتياله انتقاما من شقيقه زكريا الزبيدي بعد هروبه من سجن جلبوع.
فلسطيني يحمل صورة الشهيد داود الزبيدي ويطالب بتسليم جثمانه حيث اتهمت عائلته الاحتلال باغتياله انتقاما من شقيقه زكريا بعد هروبه من سجن جلبوع (الجزيرة)

الانتقام بالقتل

وبينما عانى العارضة وانفيعات والقادري وعائلاتهم من إجراءات قمعية كمنع الزيارة وملاحقة الأقارب بالاعتقال والتنكيل ومنع الحصول على تصاريح عمل.. كانت العقوبات مختلفة مع الأسيرين أيهم كممجي وزكريا الزبيدي، حيث ذهب الاحتلال إلى أبعد من ذلك.

ففي أبريل/نيسان الماضي اندلعت مواجهات في قرية “كفر دان” القريبة من جنين بعد اقتحام الاحتلال القرية لاعتقال أشقاء الأسير كممجي. وبعد اعتقال 3 منهم اتصل الوالد على ابنه الرابع “شأس” وطلب منه مغادرة المنزل خوفا من الاعتقال، لكن بعد دقائق استهدفه الاحتلال بإطلاق النار عليه وقتله.

أما داود الزبيدي (شقيق الأسير زكريا) فأصيب برصاص جيش الاحتلال خلال اقتحامه مخيم جنين، في مايو/أيار الماضي، ونقل بعدها للعلاج في مستشفى رمبام الإسرائيلي، إلا أنه استشهد في اليوم ذاته.

يقول شقيقه يحيى الزبيدي للجزيرة نت “من قام بإطلاق الرصاص على داود قناص يعرف من هو جيدا، كما أنه نقل للعلاج بالداخل وهو على قيد الحياة، وما تم هو عملية اغتيال واضحة انتقاما من زكريا الذي كان يعتبر داود ظله”. ولا يزال جثمان الشهيد محتجزا في ثلاجات الاحتلال.

وسُمح للأسير الزبيدي بالزيارة 3 مرات بعد 10 أشهر من إعادة اعتقاله، وفي إحدى الزيارات كانت زوجته وأبناؤه قد وصلوا للسجن الذي يحتجز فيه فتم إخبارهم بنقله. أما شقيقه يحيى فمنع من رؤية شقيقه الأسير بعد “رحلة الزيارة” عبر الحواجز باتجاه سجن الرملة حيث كانت يحتجز زكريا.

وتعرض الأسير الزبيدي لضرب شديد خلال إعادة اعتقاله بعد هروبهم عبر النفق، ومنع من المشاركة الصوتية في مناقشة رسالة الماجستير الخاصة به في جامعة بيرزيت في يوليو/تموز الفائت.

وعندما حاولت العائلة تعويض ذلك بالتنسيق مع الإذاعات التي يمكن أن يصل بثها لعزله، قام الاحتلال بالتشويش عليها خلال فترة المناقشة.

وحتى الآن، لم تتوقف الإجراءات الانتقامية ولن تتوقف بدون وقفة جدية شعبية ورسمية، كما يقول يحيى الزبيدي، فالأسرى الستة بهروبهم حطموا المنظومة الأمنية للاحتلال بالكامل أمام كل العالم، وهو ما تنتقم له إسرائيل.

زر الذهاب إلى الأعلى