الأخبار

فرادى وجماعات.. سوريون يضيق بهم العيش في دمشق وريفها يفرّون إلى تركيا

دمشق- بعد تراجع عمله في التصميم الإلكتروني قرر الشاب السوري محمد (19 عاما) -من ريف دمشق- الهجرة إلى تركيا، ولا سيما بعد أن أصبح مطلوبا للخدمة الإلزامية في الجيش.

يقول محمد للجزيرة نت “منذ أشهر لا أغادر منطقتي خوفا من ضبطي على أحد الحواجز العسكرية وسحبي للخدمة الإلزامية”، لكنه تواصل مع أصدقائه في إسطنبول وشجعوه على الهجرة إليها “ففي تركيا يمكنك العمل والنوم في مكان واحد، وتوفير بعض الأموال اللازمة للهجرة نحو أوروبا” بحسب قوله.

وتعتبر الخدمة الإلزامية سببا رئيسيا -إلى جانب البطالة وغلاء المعيشة- في هجرة آلاف الشبان شهريا من مناطق سيطرة النظام نحو الدول المجاورة مثل لبنان والعراق وتركيا.

ومثل المصمم محمد يواجه أيمن (21 عاما) الطالب في كلية الهندسة بجامعة دمشق ضغوطات متزايدة لتأمين مصروفه اليومي، مما يدفعه إلى البحث عن سبيل للهجرة خارج البلاد.

ويقول أيمن “منذ أشهر لم يعد بإمكاني شراء حتى كوب الشاي من مقصف الجامعة”.

وكان الشاب يعمل 6 ساعات يوميا في أحد المطاعم وبراتب أسبوعي يبلغ 80 ألف ليرة سورية (22 دولارا)، وهو ما لا يكفي مصروفه لأسبوع، ويقول “كنت مضطرا لأخذ مصروف إضافي من أهلي، وهو ما زاد الأعباء عليهم، ولا سيما بعد رفع الدعم عنا بحجة امتلاكنا سيارة طراز 2009”.

مشاهد من طرقات وأطراف مدينة دمشق (الجزيرة)

أهم وجهات الهجرة

ويعاني السوريون في مناطق سيطرة النظام -منذ مطلع العام الجاري- من تفاقم الأزمات المعيشية نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية، مما يدفع الآلاف إلى البحث عن سبل للهجرة، وتظهر تركيا الدولة الحدودية مع سوريا كإحدى أهم وجهات هجرة آلاف السوريين.

وكان وزير الداخلية التركي سليمان صويلو قد أشار الخميس الماضي -خلال مؤتمر صحفي بالعاصمة أنقرة- إلى أن جزءا كبيرا من السوريين الذين يحاولون المجيء إلى تركيا حاليا هم من المناطق المحيطة بدمشق، وربط ذلك بالأزمة الاقتصادية في سوريا.

كما كشف صويلو أن عدد السوريين الذين حصلوا على الجنسية التركية حتى نهاية العام الماضي بلغ أكثر من 193 ألفا.

فما هي الأسباب التي تدفع السوريين في دمشق وريفها للهجرة إلى تركيا؟ وما الطرق التي يسلكونها؟ وكم تبلغ التكلفة الإجمالية للهجرة غير النظامية تلك؟

هجرة الشباب

منذ مطلع فبراير/شباط الجاري بدأت حكومة النظام برفع الدعم عن فئات من المجتمع السوري تعتبرها الأقل حاجة، بهدف إيصال الدعم للفئات الأكثر استحقاقا كما قالت، مما أدى إلى استبعاد قطاع واسع من العائلات من المساعدات في مناطق سيطرتها.

وجاء القرار الحكومي تزامنا مع موجة غلاء لمعظم السلع الرئيسية الغذائية والاستهلاكية نتيجة تدهور سعر صرف الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية، في حين تشهد مدن العاصمة دمشق وريفها أطول تقنين زمني للتيار الكهربائي منذ بداية الأزمة الاقتصادية في البلاد عام 2011.

وانعكس هذا سلبا على الصناعيين والحرفيين وأصحاب الأعمال والمحال التجارية، فضلا عن الطلبة والشباب الذين باتت معظم دراستهم وأعمالهم مرتبطة بالحواسيب والإنترنت.

ويشهد الاقتصاد السوري انهيارا متسارعا منذ عام 2011، حيث بلغ معدل التضخم 163.1% في 2020، ومن المتوقع أن يزداد العام الجاري بنحو 12%، فيما فقدت الليرة السورية الكثير من قيمتها، ليباع الدولار الواحد بـ3600 ليرة منذ مطلع العام الجاري.

epa06636519 Displaced Syrians from the Eastern Ghouta in the countryside of Damascus, Syria, are seen at Herjelleh shelter center on 29 March 2018. According to Syrian official media sources, more than 135.000 people have fled since the start of the military offensive in the Eastern Ghouta on 18 February. EPA-EFE/YOUSSEF BADAWIنازحون سوريون من الغوطة الشرقية بريف دمشق في مركز إيواء (الأوروبية)

عائلات بأكملها

وإلى جانب الشباب الذين يشكلون الشريحة الكبرى من المهاجرين تسعى العديد من العائلات السورية في دمشق وريفها إلى الهجرة نحو تركيا بعد تردي الأوضاع المعيشية.

وعائلة الحاج صبحي (57 عاما) -وهو نازح من ريف الحسكة إلى ريف دمشق- إحدى العائلات التي بدأت بالتخطيط جديا للسفر إلى مدينة غازي عنتاب في تركيا، حيث يستقر أبناؤها منذ سنوات.

يقول صبحي للجزيرة نت “لم يعد مقبولا الاستهتار بحاجاتنا الأساسية بهذا الشكل، فلا كهرباء ولا ماء ولا وقود ولا استقرار أسعار ولا بوادر لتحسن الأحوال، فلماذا نبقى؟”.

ويضيف “تواصل ابني المقيم في غازي عنتاب مع أحد المهربين في إدلب، وسيحاول تأميننا في رحلة قريبة ريثما أتمكن من بيع بيتي في الحسكة وتأمين تكلفة نقلي وزوجتي وأبنائي الثلاثة”.

وأثناء نقله بشكل آمن من سوريا إلى تركيا سيتكلف الحاج صبحي وعائلته إلى تركيا مبلغ 6500 دولار، حسب تقديره.

تهريب ومخاطر

وتنتشر شبكات تهريب البشر على امتداد الأراضي السورية، وتنشط أساسا في محافظتي حلب وإدلب، وبشكل أقل في الحسكة، حيث المعابر الحدودية السالكة بين سوريا وتركيا.

وقال أحد المهربين الناشطين على الشريط الحدودي الواصل بين قرية أطمة (في ريف إدلب الشمالي) والحدود التركية -ورفض الكشف عن اسمه- للجزيرة نت “أسيّر الرحلات إلى تركيا يوميا، وتختلف التكاليف بين العائلات التي تضم نساء وأطفالا وبين الشباب، وتكلف الرحلة 850 دولارا للشاب، و1200 دولار لكل فرد من أفراد العائلة”.

وأضاف “أما الراغبون بالهجرة من باقي المحافظات السورية “فيتم تنظيم رحلات إلى حلب عبر الخطوط العسكرية، لنقوم في ما بعد باستلام المسافرين والتوجه بهم إلى المناطق المحررة ومن ثم إلى المعبر الحدودي عند أطمة حيث يمشون مسافة 600 متر، وبعدها تبدأ محاولات عبور الحدود مع تركيا، وتبلغ تكلفة هذه الرحلات 1500 دولار للشخص الواحد” بحسب المهرّب.

ويتم نقل المهاجرين من مناطق سيطرة النظام إلى مناطق سيطرة المعارضة عبر سيارات خاصة تضمن لهم المرور الآمن على الحواجز العسكرية، سواء التابعة للنظام أو للمعارضة أو لغيرها من القوى، بحسب المهرّب.

 

blogs لاجئون سوريون بتركيالاجئون سوريون في تركيا طال انتظارهم انتهاء الحرب والعودة لبلادهم (رويترز)

مكافحة التركيز المكاني

وتأتي هذه المجازفة بالهجرة رغم ما يعانيه السوريون في تركيا من تصاعد الخطاب الرافض لوجودهم من قبل الأحزاب المعارضة، فيما تسعى الحكومة التركية إلى تطبيق ما أُطلق عليه “تخفيف التمركز للأجانب”.

وتقوم الخطة على منع السوريين أو الأجانب من تجاوز نسبة 25% من عدد السكان في أحياء المدن التركية، بهدف منع التفكك الاجتماعي وحل المشكلات الأمنية.

وفي سياق متصل، أوضح إسماعيل تشاتاكلي نائب وزير الداخلية التركي لوسائل الإعلام الخميس الماضي أن الهدف من الخطة الجديدة إدماج المهاجرين بشكل أفضل.

وأوضح تشاتاكلي أن الذكور يشكلون النسبة الكبرى من النازحين السوريين إلى تركيا بسبب الأوضاع الاقتصادية، وعليه فلن يتم تقديم الحماية المؤقتة للسوريين فور تقدمهم للحصول عليها، ولكن سيتم التأكد من حاجة كل صاحب طلب للحماية مسبقا.

وأكد أنه لن يسمح بـ”الهجرة الاقتصادية” من سوريا، خاصة من دمشق ومحيطها.

ويبلغ عدد اللاجئين السوريين في تركيا نحو 3 ملايين و741 ألفا وفق إحصائيات المديرية العامة لرئاسة الهجرة التركية عام 2022، منهم 535 ألف لاجئ يقيمون في إسطنبول وحدها، تليها غازي عنتاب ثم هاتاي ثم شانلي أورفا.

وذكر تقرير للأمم المتحدة أن مئات آلاف اللاجئين السوريين بحاجة إلى إعادة توطين لأنه ما من فرص للعودة الطوعية أمامهم.

وأشار التقرير إلى أن تركيا هي الدولة المضيفة ذات الاحتياجات الكبرى حول العالم لعام 2022.

زر الذهاب إلى الأعلى