الأخبار

كيف تبدو صنعاء بعد 8 سنوات من سيطرة الحوثيين عليها؟

يقف أحمد ناجي مندهشًا أمام جدارية تحمل صورة القيادي الحوثي الراحل صالح الصماد، وسط العاصمة صنعاء، وقد خُط بجانبها الآيتين القرآنيتين التي اختص الله بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم “ورفعنا لك ذكرك”، “وإنك لعلى خلق عظيم”.

سيطر على الرجل الذي قدم مع أسرته إلى المدينة في سبعينيات القرن الماضي تفسير واحد، وهو أن صنعاء الخاضعة لسيطرة جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) منذ 21 سبتمبر/أيلول 2014، أُعيد تشكيلها لتتناسب مع الحوثيين فقط.

ليلًا، يخطف الوهج الأخضر لجامع “الصالح” الأنظار، فالجامع المُسمى باسم الرئيس الأسبق على عبد الله صالح الذي قُتل على يد حلفائه الحوثيين قبل 5 أعوام، هو المعلم المضيء وسط المدينة المظلمة.

وفي محل لبيع الخضروات بحي الحصبة، ينتظر فؤاد بعضًا من زبائنه يصلون بسيارات فارهة، يحرص على إرضائهم كونهم زبائن أثرياء لا يساومونه في السعر. يقول للجزيرة نت “هؤلاء أجد فيهم ربحًا، أما الآخرون لا يستطيعون شراء كيلو بطاطا”.

غنى وفقر

وبينما تحولت الغرف العلوية من منازل صنعاء القديمة والفنادق (الطيرمانات) لاستراحات فارهة يُتعاطى فيها القات (نبتة منبهة يلوكها يمنيون في ساعات المساء) والأرجيلة لقاء إيجار باهظ، يزيد عدد المتسولين في الشوارع بحثًا عن لقمة العيش.

وشهدت المدينة طفرة هائلة في أسعار العقارات، ولصعوبة العثور على أرض جديدة اتجهت الأنظار لشراء منازل قديمة بأسعار مرتفعة، ويعمد ملاكها الجدد -معظمهم من القادة الحوثيين والموالين لهم- لهدمها وبناء أخرى وفق طراز معماري عالي الكلفة.

وفي شارعي المقالح وحدة، جنوبي المدينة، يزيد عدد المولات الكبيرة والمعارض والمقاهي العصرية كاستثمار مربح؛ مما جعل عبد الملك، وهو مهندس معماري، يجادل بأنه لا يوجد فقر، غير أن رأيه سرعان ما يتبدل حين يغادر تلك الأماكن.

ويعاني نحو 19 مليون شخص من أصل حوالي 30 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي الحاد، من بينهم 538 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد، حسب آخر تصريح لمارتن غريفيث وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية.

وحالت وكالات الأمم المتحدة دون حدوث مجاعة وشيكة، لكن الحوثيين فرضوا عليها تهديدات وشروطا معقدة للعمل، وتحولت المساعدات المفترضة للمحتاجين إلى واحدة من مصادر تمويلهم. وحتى اليوم، يختطف الحوثيون عددا من موظفي الأمم المتحدة.

 

 

حرب وسلاح

وتقف أطلال المباني المدمرة شاهدًا على 8 أعوام من الحرب، وفي حي التحرير يظهر القصر الجمهوري منشقًا إثر غارات التحالف بقيادة السعودية، إذ يبقي الحوثيون الأنقاض دليلًا على مواصلة حربهم والضغط على دول التحالف لإعادة الإعمار.

ويظهر الخراب بصورة أكبر في مجمع الرئاسة والمعسكرات والمنشآت العسكرية والمطار وقاعدة الديلمي الجوية، إضافة إلى بعض المنازل.

ويفرض المسلحون الحوثيون وجودهم بقوة، وأضحى التجول بالسلاح وارتداء الزي الشعبي ذي اللون الغامق والجنبية والشعر المسرّح على طبيعته مظهرًا مألوفا للشباب، وقلما تجد شابا يرتدي هنداما عصريا.

ويقول عمرو إسماعيل، وهو شاب في جامعة صنعاء، للجزيرة نت، إن مظهر المسلح الحوثي صار نمطا لدى الشباب، في محاولة لاستعراض القوة وتقليد الطرف الأقوى.

كما عاد التفضيل الطبقي بصورة أكبر بين الأهالي، إذ يحظى الهاشميون -ممن يُزعم اشتراكهم مع زعيم الحوثيين بالنسب للنبي محمد- بتقدير بالغ نالوا معه كل الامتيازات، لتتحول حياتهم إلى الغنى الفاحش.

حكم مطلق

تحالف الرئيس الراحل على عبد الله صالح مع الحوثيين للسيطرة على صنعاء، لكن عرى التحالف انفكت نهاية عام 2017 بمقتل الأول على يد حلفائه، ومنذ ذلك الحين أحكمت الجماعة نفوذها على نحو 70% من البلاد.

وانتهى مصير الموالين لصالح في مناصب هامشية وصورية، بينما صعد رجالات الجماعة من أسرة عبد الملك الحوثي في المناصب الرفيعة، وأطبقت الجماعة على السلطة تماما عبر نظام المشرفين.

ويقول مصدر في حزب المؤتمر للجزيرة نت، مشترطا عدم ذكر هويته، إن الجماعة أقصت كل شركائها وصنعت لها هيكلا متجذرا في مؤسسات الدولة. ويضيف “لم يعد يُسمح لنا بأن نتحدث باسم الدولة أو نبدي آراءنا”.

ويقول رئيس مركز باب المندب للدراسات (يمني غير حكومي) نبيل البكيري، للجزيرة نت، إن الحوثيين لن يقبلوا مطلقا بالشراكة مع أي طرف؛ لأن منطلقاتهم الطائفية الحاكمة تعتبرهم أصحاب حق إلهي، وسيطرتهم على صنعاء كان بالنسبة لهم كرامة إلهية.

ويضيف “إن ما يجري في صنعاء من تغيير ديمغرافي والسيطرة على ممتلكات المواطنين بالقوة والترغيب والترهيب والتضييق على من لا ينتمي لهم أو لمذهبهم كلها سياسات الهدف منها تطييف صنعاء وتحويلها مدينة مغلقة على الجماعة”.

لكن رئيس وكالة الأنباء “سبأ” التابعة للحوثيين، نصر الدين عامر، يقول للجزيرة نت، إن جماعته لا تستفرد بالحكم ولديها شركاء في حكومة تتمتع باستقرار سياسي داخلي، إضافة إلى مجلسي النواب والشورى المُمِثلين من كل الأحزاب السياسية.

ويضيف “ثورة 21 من سبتمبر المجيدة كانت وما زالت ثورة شعب ولم تقصِ أحدًا، وإنما خصومها أقصوا أنفسهم بمحاربتها، والدليل أنه بعد انتصار الثورة وقع أنصار الله اتفاق السلم والشراكة، لكن بعض الأطراف ارتهنت للرغبة الخارجية”.

دورات ثقافية

ومنذ 8 أعوام وجدت الطبقة الوسطى نفسها مطحونة تماما بعد أن توقفت سلطات الحوثيين عن دفع رواتب موظفي القطاع الإداري في سبتمبر/أيلول 2016، ووجد قرابة مليون موظف أنفسهم وعائلاتهم دون مصدر دخل.

وتحمل جماعة الحوثيين الحكومة اليمنية المسؤولية في توقف صرف الرواتب، بينما تقول الحكومة إن الجماعة تجني مليارات الريالات من عائدات الضرائب والجمارك وتنفقها في إثراء قياداتها وتمويل الحرب.

وفرضت الجماعة على الموظفين العودة للعمل مقابل صرف نصف راتب كل 6 أشهر، شريطة أن ينخرطوا في دورات ثقافية.

وقال أحمد سعيد، وهو مدير لإحدى المدارس، إنه اضطر للالتحاق بدورة ثقافية العام الماضي، بعد أن أُجبر على إغلاق هاتفه، ونُقل مع آخرين إلى مكان مجهول، ولـ3 أسابيع ظلوا يستمعون إلى خطب زعيم الحوثيين ويخضعون لبرنامج مكثف من التعاليم الطائفية والمذهبية.

ويضيف “قالوا لنا إننا نواجه مؤامرة من أميركا وإسرائيل، وإن الجهاد لا بد أن يكون قائمًا، وهكذا”.

وعمد الحوثيون إلى تغيير في المنهج الدراسي، إذ يُلقن الطلاب بأن زعماء الحوثيين ومسلحيهم أبطال ومجاهدون.

هدنة مهددة

ومنحت الهدنة المستمرة من أبريل/نيسان الماضي اليمنيين لحظة لالتقاط الأنفاس جراء تدهور الأوضاع، إذ سمحت في تسيير رحلات جوية منتظمة من مطار صنعاء إلى العاصمة الأردنية عمّان، وتدفق الوقود عبر ميناء الحديدة، لتخفف واحدة من أهم المشاكل المؤرقة للسكان.

ويطالب اليمنيون باستمرار الهدنة وتحويلها إلى اتفاق يوقف الحرب بشكل شامل ودائم، ويجبر الحوثيين على إعادة فتح الطرق لمدينة تعز المحاصرة والمحافظات الأخرى.

ويقول رئيس وكالة “سبأ” نصر الدين عامر للجزيرة نت، إن حكومة صنعاء (الحوثيون) لا تزال تدرس الوضع لتمديد الهدنة.

غير أن الحوثيين يواصلون التحشيد المسلح في محافظتي تعز ومأرب، ومؤخرا سيّروا أرتالا عسكرية إلى خطوط الاشتباكات، في حين تواصل العروض العسكرية الضخمة وتخريج مئات المسلحين الشباب، في إشارة للتصعيد العسكري.

زر الذهاب إلى الأعلى