الأخبار

ماكرون يبحث عن مجد فرنسا الضائع في الجنوب الأميركي

واشنطن – يختتم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زيارته للولايات المتحدة غدا الجمعة في ولاية لويزيانا، وتحديدا مدينتها الأشهر نيو أورلينز. وستكون هذه أول زيارة يقوم بها رئيس فرنسي إلى المدينة منذ أكثر من 45 عاما، والثالثة على الإطلاق منذ بيع فرنسا لويزيانا، مستعمرتها السابقة، للدولة الأميركية الوليدة عام 1803.

وكانت آخر زيارة قام بها رئيس فرنسي للولاية قبل نصف قرن تقريبا من نصيب الرئيس الأسبق جيسكار ديستان، وسبقه فقط الجنرال شارل ديغول الذي كان أول رئيس فرنسي على الإطلاق يزور المدينة عام 1960.

وتهدف الزيارة إلى إبراز بصمة فرنسا الثقافية والاجتماعية في الولايات المتحدة، حيث ينوي ماكرون القيام بجولة في الحي الفرنسي بالمدينة ومناقشة موضوعات ثقافية مع قادتها المحليين، كما يعتزم الإعلان عن تأسيس وتمويل صندوق لنشر وتعليم اللغة الفرنسية.

الرئيس الفرنسي ماكرون (يسار) التقى خلال زيارته الرئيس الأميركي بايدن (رويترز)

رمزية كبيرة

ستحمل الزيارة رمزية كبيرة بالنظر إلى وضع لويزيانا كمستعمرة فرنسية سابقة بيعت إلى الولايات المتحدة بموجب اتفاقية شراء لويزيانا في عام 1803. ويبدي الرئيس الفرنسي ماكرون اهتماما خاصا بالترويج للغة الفرنسية على مستوى العالم، وستوفر له زيارته للولاية فرصة فريدة لإبراز هذا الاهتمام في دولة اندثرت فيها اللغة الفرنسية.

وحاولت فرنسا على مدى العقود الماضية دعم الجهود الرامية إلى الحفاظ على استخدام اللهجات الفرنسية في لويزيانا، حيث لا تزال ذات أهمية فلكورية وثقافية خاصة في أوساط جماعات تُعرف باسم الكاجون والكريولية وبين السكان الأصليين. من هنا انضمت ولاية لويزيانا، كعضو مراقب، إلى تجمع الفرانكفونية، المنظمة الدولية للحكومات الناطقة بالفرنسية، عام 2018.

ويعود التاريخ الفرنسي في نيو أورلينز إلى القرن الـ17 عندما لم تكن هذه المنطقة إلا مجرد مستنقعات. في عام 1682، طالب الفرنسيون بجزء كبير من أميركا الشمالية وأطلقوا عليه اسم “La Louisaine” تكريما لدوق أورليان، الذي حكم فرنسا حتى يتمكن لويس الـ15 الشاب من الصعود إلى السلطة. وبعد ما يقرب من عقدين من الزمن، أسس الفرنسيون نيو أورلينز لموقعها الرئيسي على نهر المسيسيبي وخليج المكسيك. وأصبح قلب المدينة يعرف باسم الحي الفرنسي الذي كان مركزا عسكريا وملاحيا وتجاريا كبيرا، وتم إطلاق أسماء الملوك والأمراء الفرنسيين على شوارعه، مثل بوربون ودوفين وشارتر وكونتي وبورغندي وأورلينز.

باعتبارها العاصمة المزدهرة لفرنسا الجديدة، منح الملك لويس الـ15 نيو أورلينز إلى ابن عمه الإسباني تشارلز الثالث في عام 1762، في المقام الأول، للحفاظ على المدينة بعيدا عن أيدي البريطانيين. وحكم الإسبان نيو أورلينز لمدة 4 عقود مليئة بالاضطرابات، وبعد الثورة الفرنسية استعاد نابليون السيطرة عليها، لكنه باعها إلى الولايات المتحدة عام 1803 كجزء من عملية شراء لويزيانا، مرة أخرى، بدلا من خسارتها لصالح البريطانيين.

شراء لويزيانا

بدايات لويزيانا الحديثة جاءت عام 1528 عندما اكتشفها الإسبان وأصبحت جزءا من المستعمرات الإسبانية قبل أن تقع في يد الفرنسيين عام 1682. ثم خسرها الفرنسيون لصالح بريطانيا عقب الهزيمة في حرب السنوات السبع عام 1763، وذلك قبل أن يستعيدها نابليون بونابرت لفرنسا عام 1800.

وبعد تأسيس الدولة الأميركية المستقلة وحصولها على استقلالها رسميا عام 1783، فاوض الرئيس توماس جيفرسون الجنرال نابليون بونابرت واشترى منه الأقاليم الواقعة غرب نهر المسيسيبي وصولا إلى جبال الروكي في الغرب الأميركي مقابل 3 ملايين دولار، فيما عرفت بعملية “شراء لويزيانا”.

وحصلت لويزيانا عام 1812 على وضعية “ولاية عامة” لتصبح الولاية الـ18 ضمن الاتحاد الأميركي، ثم انضمت إلى ولايات الجنوب التي استقلت مكونة اتحادا كونفدراليا بسبب تمسكها بالعبودية، وهو ما أدى لنشوب الحرب الأهلية الأميركية (1861ـ1865).

عمليا كانت عملية شراء لويزيانا تتعدى شراء الولاية بحدودها الحالية، لتشمل أقاليم 13 ولاية من خريطة اليوم تمتد من الحدود الشمالية مع كندا وصولا لخليج المكسيك جنوبا، ومن نهر المسيسيبي شرقا لحدود جبال الروكي في الغرب الأميركي. ويحتضن نهر المسيسيبي مدينة نيو أورلينز على شكل هلال، وهي المدينة الأكثر اكتظاظا بالسكان في الولاية، إذ يقطنها أكثر من 390 ألف نسمة، واحتفلت منذ 4 سنوات بالذكرى الـ300 لتأسيسها.

Macron honors U.S. World War II veterans at the French embassy in Washington
فرنسا باعت لويزيانا، مستعمرتها السابقة، للدولة الأميركية الوليدة عام 1803 (رويترز)

إرث العبودية

تتميز ولاية لويزيانا اليوم بتزاوج فريد بين حقب تاريخية مختلفة ذات مزيج إسباني فرنسي بريطاني، أضيف إليه استقدام مئات الآلاف من الأفارقة ممن كانوا عبيدا في الماضي.

وشكل هذا الأمر نكهة وطبيعة خاصة لا يوجد لها مثيل في بقية الولايات المتحدة، سواء كان ذلك في نوعية المأكولات المحلية المتوفرة أو الطبيعة الموسيقية، علاوة على طريقة ونوعية وطراز البناء والمعمار.

ويبلغ عدد الأفارقة الأميركيين اليوم ما لا يقل عن ثلث عدد سكان الولاية البالغ 4.6 ملايين شخص.

من هنا يظهر بوضوح تراث العبودية الذي لم تشهد ولاية أخرى مثيل له في القسوة والتطرف. ويدل ذلك على أن التفرقة العنصرية ما زالت حاضرة بقوة في لويزيانا اليوم.

وبسبب طبيعة نيو أورلينز، حيث كانت المدينة واحدة من أهم مراكز استقبال العبيد عند وصولهم لأميركا الشمالية، وكانت فيها لسنوات أكبر صالة مزادات بيع وشراء العبيد في العالم.

وتم تحريم العبودية بموجب التعديل الـ13 للدستور، وهو ما لم يكن له صدى إيجابي ضمن سكان ولاية لويزيانا من البيض. لكن تبقت هناك عشرات المدارس والمؤسسات الحكومية التي تتخذ من أسماء قادة الحرب الأهلية الجنوبيين أسماء لها.

كود نوار

في عام 1724 صدر قانون عرف باسم “كود نوار”، ونظم علاقة فرنسا بمستعمراتها وعلاقة مستعمراتها بالعبيد، وفرض فيه تخصيص يوم الأحد من كل أسبوع عطلة عمل للعبيد، إضافة لذلك طالب القانون ملاك العبيد بتوفير ساحة أو مكان واسعين ليلتقوا فيه بعضهم بعضا.

وبالفعل خصصت ساحة واسعة تجاور الحي الفرنسي بالمدينة، وسمي هذا المكان بميدان الكونغو، وهو اليوم جزء هام ومزار تاريخي داخل حديقة لويس أرمسترونغ بقلب مدينة نيو أورلينز. ولعقود طويلة تجمع الأفارقة صباح يوم الأحد للصلاة وللرقص والغناء الحزين والشكوى لبعضهم بعضا مما يعانونه من ويلات استعبادهم.

ويرى بعض المؤرخين أن ميدان الكونغو هو مهد موسيقى الجاز والبلوز التي تعكس الموسيقى التقليدية التي جلبها العبيد معهم من غربي أفريقيا. واستمر تجمع الأفارقة السود حتى بعد انتهاء العبودية، وأصبح ذلك الميدان مكان جذب لمن يريد الغناء أو العزف على الآلات الموسيقية الأفريقية، خاصة آلات النفخ والطبول.

زر الذهاب إلى الأعلى