الأخبار

مشروع المليون ردا على الغزو الصامت.. هكذا تحول اللاجئون إلى وقود للمعركة الانتخابية بتركيا

بعد زيادة حوادث العنصرية ومهاجمة الأجانب، بدأت إدارة الهجرة في تركيا التحرك نحو مقاضاة وتحجيم العنصريين من السياسيين والشخصيات العامة، وفي مقدمتهم رئيس حزب الظفر أوميت أوزداغ الذي دأب على تصريحات وخطوات تغذي الكراهية ضد السوريين.

أنقرة- ما زالت موجة العنصرية ضد اللاجئين السوريين في تركيا تتصاعد مع مؤشرات وقرائن تؤكد أن مرحلة جديدة قد دخلها استثمار مسألة اللاجئين، في إطار الاستقطاب السياسي بين حزب العدالة والتنمية الحاكم من جهة، وأحزاب المعارضة التركية.

وتستخدم الأحزاب السياسية المعارضة قضية اللاجئين ورقة رابحة من أجل تحقيق مكاسب سياسية وكسب المزيد من الأصوات في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية المقبلة، فتحول السوريون في هذه الخلافات إلى وقود حرب سياسية بين الأطراف المتنافسة.

سليمان صويلو: مليون ونصف مليون لاجئ خرجوا من تركيا السنوات الخمس الأخيرة (الأناضول)

قرارات وتصريحات

سلسلة من القرارات والتصريحات المتبادلة حدثت خلال الأيام الأخيرة حول قضية اللاجئين، فبينما تتهم المعارضة الحكومة بعجزها عن حل قضية اللاجئين بل وتجنيسهم ومنحهم امتيازات، صرح وزير الداخلية التركي سليمان صويلو بأنه خرج من البلاد مليون ونصف مليون لاجئ في آخر 5 سنوات و”نحن نعد بيوتا من طوب لما يكفي لمليون لاجئ سوري”. كما صدر بيان من دائرة الهجرة تؤكد فيه إيقاف الموافقات على طلبات اللجوء الجديدة إلى مدينة إسطنبول.

ووعد رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض كمال كليجدار أوغلو أنصاره بأنه سيعيد السوريين إلى بلادهم في غضون عامين في حال نجح في الانتخابات المقبلة. وقد تبنت أحزاب أخرى قومية وإسلامية موقف كليجدار في ضرورة إعادة اللاجئين إلى بلادهم.

وكان تانجو أوزجان رئيس بلدية مدينة بولو، المنتمي لحزب الشعب الجمهوري، قد اقترح أن تفرض البلدية رسوما تزيد بنسبة 10 أضعاف على فواتير المياه الخاصة بالسوريين.

كما صدر قرار سابق من وزارة الداخلية بعدم السماح بعودة السوريين الذين ذهبوا لسوريا لقضاء إجازة العيد لتركيا.

وبعد زيادة حوادث العنصرية ومهاجمة الأجانب، بدأت إدارة الهجرة التحرك نحو مقاضاة وتحجيم العنصريين من السياسيين والشخصيات العامة، وفي مقدمتهم رئيس حزب الظفر أوميت أوزداغ الذي دأب على تصريحات وخطوات تغذي الكراهية ضد السوريين.

وأكد وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو على أهمية ضمان سلامة السوريين أولا قبل إعادتهم، مشيرا إلى استمرار إعادة المهاجرين غير القانونيين من غير السوريين في تركيا إلى بلدانهم، موضحا أن بلاده أعادت مئات الآلاف منهم.

من جهته قال دولت بهتشلي رئيس الحركة القومية وحليف الرئيس أردوغان “يجب أن نتحد لحل مشكلة اللاجئين بشكل جذري، واتباع إستراتيجية ذكية، دون تغذية بيئة تحريضية” مشيرا إلى أن “الأيام الأخيرة شهدت محاولات تحريضية لتأليب الشارع عبر حجج اللاجئين السوريين”.

CHP Group Meeting
كمال كليجدار أوغلو وعد أنصاره بأنه سيعيد السوريين في غضون عامين في حال نجح بالانتخابات المقبلة (الأناضول)

فيلم تحريضي

“الغزو الصامت” فيلم قصير لا تزيد مدته عن 8 دقائق لقي اهتماما كبيرا في مواقع التواصل الاجتماعي داخل تركيا الأيام الأخيرة، ويتحدث عن ملف اللاجئين السوريين في تركيا، راسما صورة افتراضية قاتمة لمستقبل البلاد التي تستضيف نحو 4 ملايين لاجئ منذ أكثر من 10 سنين.

ويظهر الفيلم صورة إسطنبول عام 2034 وقد تحولت إلى مدينة مدمرة، يلاحق فيها الأتراك من قبل السوريين في الشوارع. وهو أمر اعتبرته الشرطة التركية تحريضا واضحا على اللاجئين السوريين وعلى حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان. ومن أجل ذلك، استدعت الشرطة منتجة الفيلم هاندا كاراجاسو، للتحقيق معها قبل أن تفرج عنها بعد ساعات.

الفيلم الذي نُشر في الثالث من مايو/أيار، تزامن مع إعلان أردوغان عن خطة يجري التحضير لها من قبل الحكومة، لإعادة نحو مليون لاجئ سوري بشكل طوعي إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الأمنية التركية شمالي سوريا، من خلال إنشاء تجمعات سكنية وتجهيز البنية التحتية في المناطق التي تمتد من بين مدن إعزاز وجرابلس والباب وصولا إلى مناطق تل أبيض وعين عيسى، من خلال إنشاء نحو 250 ألف وحدة سكنية في 13 منطقة بالشمال السوري.

كلام أردوغان جاء خلال كلمة تسجيلية ألقيت خلال احتفال جماهيري حضره وزير الداخلية، لتسليم نحو 57 ألف وحدة سكنية مبنية بالطوب، في محافظة إدلب التي تخضع للمعارضة السورية المدعومة من أنقرة، مؤكدا أن هذه المشاريع ستمولها مؤسسات مدنية تركية ودولية.

ولذلك قد تساعد دول خليجية في تمويل العملية -برأي مراقبين- ولا سيما بعد التقارب الذي حصل أواخر الشهر الماضي، بين تركيا والسعودية، وتوج بالزيارة التي قام بها أردوغان إلى جدة ولقائه بملك السعودية وولي عهده، وقبلها تلك الزيارة التي قام بها أردوغان إلى الإمارات في فبراير/شباط الماضي. لكن الوقت قد لا يسعف الرئيس أردوغان في إنجاز ذلك قبل موعد الانتخابات المقررة منتصف العام المقبل، كما أن السؤال الأهم يتعلق بقناعة مئات آلاف السوريين الذين أسسوا لهم ولعائلاتهم حياة مستقرة داخل تركيا.

blogs لاجئون سوريون بتركيا
تركيا تستضيف نحو 4 ملايين لاجئ منذ أكثر من 10 سنين (رويترز)

ورقة انتخابية

وفي السياق، ذكر ياسين أقطاي مستشار رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم إن المعارضة تحاول إثارة مسألة المهاجرين السوريين منذ سنوات بهدف إحراج الحكومة، وهي تستخدم أسلوبا بالغ الخطورة وغير إنساني قد يتسبب في اضطراب السلم الاجتماعي.

وقال أقطاي للجزيرة نت “تعد هذه السياسة مثالا صارخا على أن المعارضة في تركيا لا تفوت أي فرصة يمكن استغلالها من أجل الضغط على أردوغان وحشره في الزاوية”.

وأضاف “أولئك الذين يتحدثون بسهولة عن الترحيل القسري للاجئين هم في الواقع يحرضون ويشجعون شعبا بأكمله على ارتكاب جريمة، ناهيك عن أن هذه الجريمة محاولة لاغتيال ثقافتنا وهويتنا وعاداتنا”.

وأوضح أقطاي بأنه يجري إنشاء مدن يمكن العيش فيها ضمن المناطق الآمنة، وسيتم تشجيع السوريين الذين يرغبون في العودة، للعيش في تلك المناطق.

ويطمئن بالقول “ليس هناك داع للقلق، فالشعب التركي يقظ بما يكفي ليتصدى لهذا التحريض، والإجراءات المتخذة من طرف السلطات كافية للسيطرة على الوضع”.

مستشار الرئيس التركي ياسين أقطاي - الصحافة التركية.
أقطاي: المعارضة تثير مسألة اللاجئين منذ سنوات لإحراج الحكومة (الصحافة التركية)

عودة السوريين

وذكر فهمي يالتشين الكاتب التركي المقرب من حزب الشعب الجمهوري أن الحكومة كانت حتى وقت قريب تهاجم المعارضة التي تريد إرسال اللاجئين، لكنها يبدو أنها استعدت لحقيقة أن الوقت قد حان لعودة اللاجئين، حيث أعطى زعيم حزب الحركة القومية رسائل بهذا الاتجاه، في حين قال أردوغان إنه سيتم إرسال السوريين إلى بلادهم بـ “كرامة”.

وقال يالتشين للجزيرة نت “إخوتنا السوريون هربوا من الحرب والموت، لكن الحرب الأهلية انتهت في سوريا، فما المانع من عودتهم لأرضهم وبيوتهم، ويمكن معالجة الأمر باتفاق مع النظام السوري بحيث لا يمسهم ولا يضيق عليهم”.

وأضاف “أحزاب المعارضة لا تكره اللاجئين ولا تحرض عليهم لكن ليس من حق السوريين أن يتقاسموا تركيا مع سكانها الأصليين خاصة أننا نمر بأزمة اقتصادية بسبب السياسات الحكومية الخاطئة”.

وبحسب معطيات إدارة الهجرة العامة في البلاد هناك 3 ملايين و701 ألف و584 سوريا تم تسجيلهم تحت وضع “الحماية المؤقتة” في تركيا.

وفي مؤتمر صحفي عقدته في إسطنبول، طالبت 71 منظمة حقوقية سورية وتركية بحماية اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا، ووقف خطاب الكراهية والعنصرية المتزايد ضدهم هناك، وذلك عقب قيام العديد من المجموعات العنصرية بالاعتداء على أماكن عملهم ومنازلهم وتزايد حالات القتل الفردية بحقهم خلال الفترة الماضية.

زر الذهاب إلى الأعلى