الأخبار

مظاهرات عنيفة تخلف ضحايا في الإكوادور.. لماذا تتكرر احتجاجات السكان الأصليين في أميركا اللاتينية؟

منذ نحو أسبوعين تشهد الإكوادور احتجاجات عنيفة للسكان الأصليين، تعيد إلى الواجهة شكاوى التمييز المجتمعي ضد هؤلاء المواطنين، والتي كانت شرارة لاضطرابات وقعت سابقا في عدد من دول أميركا اللاتينية.

حتى الآن، أسفرت الاحتجاجات عن مقتل 6 أشخاص، ووصل المتظاهرون إلى العاصمة كيتو قادمين من مناطقهم الريفية.

من أهم مطالب المحتجين كبح غلاء المواد الأساسية، بما في ذلك المحروقات، ووقف المزيد من مشروعات التعدين والمشروعات النفطية في مناطق السكان الأصليين، وعدم خصخصة الشركات الحكومية، وإتاحة المزيد من الوقت للمزارعين الصغار لسداد القروض المستحقة للبنوك، فضلا عن رفع حالة الطوارئ التي فرضت مؤخرا في 3 أقاليم تضم العاصمة.

هذه الاحتجاجات شكلت تحديا للرئيس المحافظ غييريمو لاسو الذي تولى منصبه قبل سنة، وهو يرى في هذا التحرك محاولة لقلب نظام حكمه، أما الجيش الذي يدعمه فوجه تحذيرا للمتظاهرين، معتبرا أنهم يشكلون خطرا على الديمقراطية بعد أن اتهمت السلطات المحتجين بممارسة العنف.

لكن من الواضح أن العنوان الرئيس لهذه الاحتجاجات هو الاعتراض على السياسات الاقتصادية والاجتماعية لحكومة الرئيس الإكوادوري.

ولاحتواء الغضب، وعد لاسو بزيادة المساعدات للقطاعات الأكثر ضعفا، وعدم رفع أسعار المحروقات مجددا، وتقديم دعم للأسمدة بنسبة 50% للمزارعين الصغار والمتوسطين، في حين سيتم العفو عن القروض المستحقة على المزارعين حتى 3 آلاف دولار.

ووفقا لإحصاء عام 2010، يشكل السكان الأصليون في الإكوادور 6.8% من مجموع السكان، وينتمون إلى 14 مجموعة، وحاليا يزيد عدد سكان البلاد عن 18 مليونا وفقا لموقع “ورلدميتر” (Worldometer) المتخصص في الإحصاءات.

كانت الإكوادور شهدت في 2019 احتجاجات مماثلة على رفع الدعم عن أسعار المحروقات وأسفرت عن سقوط 11 قتيلا وآلاف الجرحى، وهو ما اضطر الرئيس في تلك الفترة، لينين مورينو، إلى العدول عن إجراءات اقتصادية تم التفاوض بشأنها مع صندوق النقد الدولي.

بدورها، شهدت البرازيل في أبريل/نيسان الماضي مظاهرات للسكان الأصليين في العاصمة برازيليا، حيث أقيم تجمع ضم 8 آلاف شخص.

ونظم التجمع للاحتجاج على مشروعي قانون؛ الأول يفتح أراضي السكان الأصليين أمام شركات التعدين، والثاني يمكن أن يغير قواعد ترسيم أراضي المجموعات الأصلية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2021 شهدت مقطعة إيزابال الساحلية شمالي غواتيمالا احتجاجات عقب الموافقة على مشروع للتعدين في منطقة يقطنها السكان الأصليون، وعلى إثر ذلك علقت أعلى محكمة في البلاد العمليات في المشروع وقضت بأن جماعات السكان الأصليين في المنطقة لم تتم استشارتها بشكل مناسب بشأن المشروع.

مجموعة من السكان الأصليين يحتفلون بحلول عام جديد وفق تقويم محلي في بوليفيا (وكالة الأنباء الأوروبية)

كم عدد السكان الأصليين في أميركا اللاتينية؟

أظهر إحصاء يعود إلى عام 2010 أن عدد السكان الأصليين في أميركا اللاتينية 42 مليونا، ما يعادل 8% من مجموع السكان، وتشير بعض التقديرات الحديثة إلى أن العدد تجاوز 50 مليونا. وينتمي هؤلاء إلى جماعات مختلفة بينها الأيمارا، والمابوتشي، الكويشوا.

ويوجد في المكسيك وغواتيمالا والبيرو وبوليفيا 80% من هؤلاء السكان.

وتعد المكسيك الدولة بين الدول الأكثر تنوعا من حيث مجموعات السكان الأصليين في المنطقة.

ووفقا لإحصاءات رسمية أو شبه رسمية، يشكل السكان الأصليون في بوليفيا 60%، وفي البيرو 45%، وفي تشيلي 10%، ,وفي كولومبيا 58%، وفي غواتيمالا 50%، وفي المكسيك 22%، وفي البرازيل نحو 0.4% (قرابة 900 ألف شخص من مجموع سكان البلاد البالغ نحو 215 مليونا بحسب أحدث الأرقام).

ما أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية؟

حسب تقرير للبنك الدولي، يعاني السكان الأصليون في أميركا اللاتينية من الفقر والتمييز الاجتماعي والاقتصادي على نطاق واسع.

يقول البنك الدولي إن أوضاع هذه الفئة من السكان لا تزال هشة على الرغم من إحراز تقدم على صعيد معالجة مشاكلها والاعتراف بحقوقها.

ويضيف أن هؤلاء، ورغم أنهم يمثلون 8% فقط من مجموع السكان، فإنهم يشكلون 14% من الفقراء و17% من بين الأشد فقرا.

ووفقا لدراسات، تزيد بكثير نسبة الفقر بين السكان الأصليين في أميركا اللاتينية عن النسبة الموجودة في المجتمعات ذات الأصول الأوروبية.

كما أن من يقيم منهم في المدن يعيش في أحياء تقل فيه مستويات الأمن والخدمات.

سكان أصليون في مسيرة بالعاصمة المكسيكية لمطالبة السلطات بحل نزاع في منطقتهم (وكالة الأنباء الأوروبية)

ما أبرز شكاواهم ومطالبهم من السلطات؟

يشتكي السكان الأصليون في أميركا اللاتينية من التعديات على مناطقهم وأراضيهم، فضلا عما يعتبرونه تهميشا لهم في الحياة السياسية.

وعلى سبيل المثال، ذكرت منظمة حقوقية أنه تم تهجير نحو 20 ألفا من السكان الأصليين في المكسيك من أراضيهم، في حين تم قتل أو اعتقال ناشطين يدافعون عن قضاياهم.

وسبق أن اندلعت في أكثر من دولة بالمنطقة احتجاجات ونشبت نزاعات بسبب مشاريع للتعدين والطاقة أقيمت في نطاق أراضيهم.

ولأن نصف السكان الأصليين في أميركا اللاتينية يعيشون في الأرياف وحول الغابات، مثل غابات الأمازون في البرازيل والبيرو وبوليفيا، فإن من بين مطالبهم الرئيسية حماية البيئة من تعديات الشركات الكبرى التي تسمح لها الحكومات بقطع الأشجار أو بالتنقيب عن المعان والنفط والغاز.

Former President Lula Da Silva Visits Indigenous Protest in Brasilia
الرئيس البرازيلي السابق لولا دا سيلفا أثناء زيارته تجمعا نظمه السكان الأصليون في العاصمة برازيليا (غيتي)

ما المكاسب التي حصل عليها السكان الأصليون؟

عدة دول في أميركا اللاتينية، مثل بوليفيا البرازيل والمكسيك، اعترفت في دساتيرها بالمجتمعات الأصلية غير الأوروبية بكونها سكان البلاد الأصليين، أو جعلت بعض لغات هذه المجتمعات لغات رسمية إلى جانب الإسبانية.

فالدستور البرازيلي لعام 1988 نص على أن السكان الأصليين هم ملاك الأرض الطبيعيون، ووضع شروطا لاستغلال الموارد الطبيعية في مناطقهم.

وكذلك دستور المكسيك لعام 1992 الذي نص على التعددية الثقافية في البلاد، في اعتراف بوجود مجتمعات مختلفة.

وخلال السنوات الـ20 الماضية، صادقت البرازيل والمكسيك ودول أخرى على الإعلان العالمي لحقوق السكان الأصليين.

وفي عام 2008، حصل رئيس بوليفيا في ذلك الوقت، إيفو موراليس، على موافقة البرلمان على الدعوة إلى إجراء استفتاء حول دستور جديد يمنح مزيدا من الحقوق لسكان البلاد الأصليين.

وفي حين أن مشاركة السكان الأصليين في الحياة السياسية لا يمكن أن تضاهي مشاركة المجتمعات ذات الأصول الأوروبية، فقد وصل بعض أبنائها إلى أعلى المناصب السياسية، ومن بينهم الرئيس السابق إيفو موراليس الذي كان أول رئيس لبوليفيا من السكان الأصليين، وقد ظل في السلطة منذ 2006 حتى استقالته من منصبه عقب اضطرابات واسعة في 2019.

وفي البرازيل، انتخبت امرأة من السكان الأصليين عضوا في الكونغرس لأول مرة.

زر الذهاب إلى الأعلى