الأخبار

من محمود العارضة لشيرين أبو عاقلة.. “هكذا تتحول الرواية إلى أسطورة إنسانية”

قبل تحرير نفسه بالهروب من سجن جلبوع، كان الأسير محمود العارضة قد اشترى العسل من بقالة السجن على أمل الوصول لوالدته وتقديمه هدية لها. ولمّا علمت شيرين أبو عاقلة بذلك، حملت معها العسل وقدمته لأمه نيابة عنه.

جنين- بالقرب من سريرها، تضع والدة الأسير الفلسطيني محمود العارضة “مرطبانا” من العسل، وتقول بابتسامة ملأت وجهها “هذا من محمود”. سألناها “من أوصله لكِ؟” فتحولت ابتسامتها حزنا، وقالت بصوت مخنوق “شيرين أبو عاقلة.. قتلوها. الله ينتقم منهم”.

استقبلتنا فتحية التلاوي، والدة محمود العارضة، الذي عُرف منذ عام بلقب “مهندس عملية الهروب من سجن جلبوع”، في منزلها ببلدة عرابة قرب جنين شمال الضفة الغربية. وعلى ظهرها أكثر من 30 عاما من التعب ومشقة التنقل بين سجون الاحتلال.

قبل عام من الآن، كانت أم محمود تنتظر أي خبر عن نجلها الذي أعيد اعتقاله مع 5 من رفاقه إثر “هروب جلبوع” (في السادس من سبتمبر/أيلول 2021)، حتى جاءتها شيرين أبو عاقلة زائرة تحمل عبوة من “العسل” نيابة عن ابنها الأسير، وعندما وجدتها بحالة من التعب والحزن، قالت للأم “اللي خلفت بطل زي محمود مش لازم تحزن”.

وقبل هذه الزيارة بيوم واحد كانت قوات الاحتلال قد اقتحمت منزل عائلة العارضة واعتقلت كل من فيه، وتركت الأم في البيت وحيدة، وهو ما أنهكها تعبا وحزنا. كان أبناؤها الخمسة وابنتها “باسمة” السادسة، جميعهم مقيدين وسط تهديدات ضابط مخابرات الاحتلال بالانتقام من محمود وعائلته.

ودفعت كلمات شيرين الوالدة (83 عاما) لاستجماع قواها من جديد. وهي التي اعتادت على اقتحام الاحتلال لبيتها وتهديدها منذ أكثر من 3 عقود، عندما اعتقل محمود لأول مرة في عمر الـ15 عاما، وتبعه أشقاؤه الذين قضى اثنان منهم 20 عاما في السجون الإسرائيلية.

وللعسل الذي حملته شيرين لوالدة محمود قصة؛ فقبل تحرير نفسه بالهروب عبر نفق حفره ومجموعة أسرى آخرين أسفل سجن جلبوع، كان قد اشترى العسل من بقالة السجن وحمله معه على أمل الوصول لوالدته وتقديمه هدية لها. ولمّا علمت شيرين أبو عاقلة بذلك، وفي أول زيارة لها لبيت العائلة، حملت معها العسل وقدمته نيابة عنه.

يقول شقيقه محمد العارضة “كل من زار بيتنا بعد شيرين كان يحمل العسل هدية لوالدتي”.

حزن من “عرابة” إلى “أيلون”

وفي بيت العارضة، الذي زينت جدرانه بصوره وصور رفاقه الذين اشتهروا كـ”أبطال نفق الحرية”، يشترك الجميع بالحديث عن شيرين من أكبرهم “أم محمود” إلى أصغرهم “أسينات” ذات العشر سنوات، والتي كانت تُكمل حديث جدتها، وتذكّرها “بفيديو بشيرين” الذي التقطته في إحدى زياراتها للعائلة.

يقول محمد للجزيرة نت “شيرين لم تكن مجرد صحفية تنقل أخبار الأسرى وتمضي، بل تتابع وتهتم بإيصال صوتهم ومعاناة عائلاتهم بكل أمانة ومصداقية ووطنية.. لقد أوجعنا نبأ استشهادها كثيرا”.

ويستذكر محمد استشهاد شيرين في 11 مايو/أيار 2022، وكيف نزل الخبر كالصاعقة على والدته التي بقيت أياما تتابع كل ما ينشر عنها على شاشات التلفاز، وسط حزن خيم على البيت طويلا.

وهذا الحزن كان يعيشه محمود مضاعفا في عزل سجن الرملة (أيلون)، وهو الذي اعتاد أن تكون شيرين حاضرة في تغطية جلسات محاكمته.

وبعد 11 يوما على استشهادها، وفي جلسة محاكمة للأسرى الستة الذين هربوا من جلبوع، سأل محمود العارضة محاميه خالد محاجنة عن طاقم قناة الجزيرة، وعندما شاهد مصور ومراسلة القناة، طلب منه إرسال رسالة لهم بعنوان” شيرين هي النص المكتوب أمام زيفهم المكذوب”.

وقال المحامي محاجنة للجزيرة نت “كان التأثر باديا على محمود عندما أشرت له بوجود صديقة وزميلة شيرين في قاعة المحكمة، وكاد أن يبكي”.

تمالك العارضة دموعه فعلا خشية أن يظن السجّان أنه يبكي متأثرا بحكمه 5 سنوات إضافية على حكمه الأول “99 عاما”. كما قال في رسالة تعزية لاحقة أرسلها من عزله في سجن “رامون” الإسرائيلي نهاية مايو/أيار الماضي، إلى مذيع قناة الجزيرة تامر المسحال.

الأسير محمود العارضة خلال محاكمته بتهمة قيادة عملية هروب 6 أسرى من سجن جلبوع الأشد تحصينا (رويترز)

عن دموعه على شيرين

وجاء في تعزية محمود العارضة “منعوا إدخال الصحافة أثناء المحاكمة ومنعوني من زيارة المحامي حتى لا أتحدث عن شيرين، وجاءت صديقة شيرين إلى المحكمة ولم أستطع الكلام معها، وتأثرت كثيرا بوجودها، وكانت الدموع في عيوني، وخشيت أن يظن السجّان أنني أبكي خوفا من الحكم، وكنت أريد أن أقول لوسائل الإعلام شيرين الفاضحة التي فضحت هذا المحتل وكشفت زيفه”.

ويضيف العارضة “مصابنا بها جلل، وفلسطين بعد شيرين ليست كما كانت من قبل. هكذا تتحول الرواية الى أسطورة إنسانية، لا سيما إن خُطّت آخر نصوصها بالدماء.. لقد كانت شيرين نص رواياتنا أمام زيفهم المكذوب، وهو دافعهم لقتلها. شيرين نجم في كوكبنا وإن أفل أو انفجر فإنه يملأ الكون ضياء ويعبر الزمان”.

ويقول محمود أيضا “لقد راموا صلب الحقيقة.. وإن هوت شيرين سيظل قلمها سارية الحقيقة. وداعا شيرين ويؤسفنا أننا لم نودعك إلا من شاشات العدو..”.

ولم يكن تعامل شيرين الإنساني خلال تغطيتها لقضايا الأسرى في السجون الإسرائيلية خاصا بعائلة العارضة وأسرى “نفق الحرية”. بل كان جزءا من رسالتها التي حملتها لسنوات، وهو ما عبّرت عنه في مقابلة أخيرة معها بالذكرى الـ25 لانطلاق فضائية الجزيرة، عن أبرز ما غطته خلال مسيرتها المهنية.

وروت شيرين قصة دخولها إلى سجن عسقلان، حيث كانت تغطيتها هي الأولى من نوعها لفضائية عربية. وقالت إنها وصلت إلى أسرى خلف القضبان بعضهم معتقل منذ أكثر من 20 عاما، وتمكّنت من إيصال صوتهم للعالم. ثم أضافت “كانوا سعداء جدا”.

زر الذهاب إلى الأعلى