الأخبار

30 عاما على استقلال البوسنة.. هل يسعى الصرب للانفصال وتكرار سيناريو الحرب؟

سراييفو – يحتفل البوسنيون، اليوم الثلاثاء، مطلع مارس/آذار، بالذكرى رقم 30 لاستقلالهم عن النظام الشيوعي في يوغسلافيا سنة 1992، مستحضرين ذكريات سنوات الحرب (1992-1995) خصوصا في ظل توتر الأوضاع السياسية استباقا للانتخابات البرلمانية والرئاسية المزمعة في أكتوبر/تشرين الأول القادم.

وما يثير القلق في البوسنة مساعي بعض قيادات الصرب المتطرفين، وعلى رأسهم العضو في مجلس الرئاسة ميلوراد دوديك، لانفصالهم والانضمام لصربيا. فما هي سيناريوهات الحالة السياسية في هذا البلد.

الجزيرة نت، من خلال سؤال وجواب، تلقي الضوء على الحالة السياسية في البوسنة بالذكرى الـ 30 لاستقلالها.

كيف استقلت الدولة، وما التداعيات؟

أجريت عام 1990 أول انتخابات تعددية حزبية في يوغسلافيا، فازت فيها الأحزاب القومية الوليدة، التي تم تأسيسها في سلوفينيا وكرواتيا ومقدونيا والبوسنة والهرسك، بالأغلبية، ولم يفز الشيوعيون إلا في صربيا والجبل الأسود.

ودفعت نتيجةُ الانتخابات سلوبودان ميلوشيفيتش للشعور بالخطر، فقد كان يرى أن الصرب هم القومية الأجدر بحكم يوغسلافيا، وأنهم الأحق بتركة “تيتو” فعمل على فرض سيطرته على مقدرات الدولة بتعيين شخصيات صربية في المناصب القيادية بالجيش والمؤسسات المالية والأمنية المركزية.

في نفس الوقت، أدت نتيجة الانتخابات إلى نمو الشعور القومي لدى الكروات والبوشناق والسلوفينيين والمقدون، فبدأت الجمهوريات اليوغسلافية في إعلان استقلالها الواحدة تلو الأخرى. ونظم البوشناق (المسلمون)، يومي 29 فبراير/شباط و1 مارس/آذار 1992، استفتاء شعبيا لتقرير مصيرهم بالاستقلال أو بالبقاء ضمن الاتحاد اليوغسلافي.

وشارك في الاستفتاء ما يزيد على 66% ممن لهم حق التصويت، وأعلن أكثر من 99% من المصوتين تأييدهم لاستقلال دولة البوسنة والهرسك عن الاتحاد اليوغسلافي.

وواجه البوسنيون، نتيجة لإعلانهم الاستقلال، عدوانا وحشيا من قبل قادة المليشيات الصربة، بقيادة مجرمي الحرب رادوفان كاراجيتش، وراتكو ميلاديتش، ومن خلفهم الجيش اليوغسلافي الاتحادي الذي تديره دولة صربيا بزعامة ميلوسيفيتش.

ورغم الاعتراف الدولي بدولة البوسنة والهرسك، وانضمامها رسميا إلى عضوية الأمم المتحدة في مايو/أيار 1992، فإن العالم وقف صامتا أمام كل الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الصرب بحق البوشناق، إلى أن وضعت الحرب أوزارها وفق اتفاقية دايتون.

ما هي “اتفاقية دايتون”؟

في الفترة من 1 -21 نوفمبر/تشرين الثاني 1995، وفي إحدى القواعد العسكرية بالقرب من مدينة دايتون الأميركية، حضرت وفود كل من صربيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك، وتم توقيع اتفاقية لإنهاء الحرب بينهم. وكان الموقعون على الاتفاقية هم: رئيس دولة صربيا سلوبودان ميلوشيفيتش، ورئيس دولة كرواتيا فرانيو توجمان، ورئيس دولة البوسنة والهرسك علي عزت بيغوفيتش، في إشارة واضحة أن الثلاثة يمثلون أطراف الحرب التي استمرت حوالي 4 سنوات، مخلفة وراءها أكثر من 100 ألف قتيل، منهم 10 آلاف طفل، وأكثر من 100 ألف مصاب، بالإضافة إلى آلاف المفقودين، وآلاف النساء اللاتي اغتصبن.

ماذا حدث مؤخرا، وكيف نفهم تهديدات الصرب بتكوين مؤسسات موازية؟

دأب السياسيون الصرب، عند اقتراب موعد الانتخابات، على إصدار تصريحات نارية تضمن لهم الحصول على أصوات الصرب الرافضين للاندماج في دولة البوسنة، والذين يرون أن صربيا وطنهم.

ويعلم هؤلاء المرشحون أن من أكثر الموضوعات جذبا لأصوات المتطرفين هو نفي أن الصرب ارتكبوا جريمة الإبادة الجماعية في سربرنيتسا، وتعمد تمجيد من ارتكب تلك الجرائم، بشكل يناقض الأحكام الصادرة عن المحكمة الدولية في لاهاي.

وحفاظا على مشاعر عائلات ضحايا تلك الجرائم، فقد سعى حزب العمل الديموقراطي، الذي يمثل البوشناق في الحكم، إلى إصدار قانون في البرلمان يجرم نفي حدوث الإبادة الجماعية، ويمنع تمجيد مجرمي الحرب، لكنه فشل بسبب التركيبة القومية للبرلمان البوسني.

وبما أن هذه السنة ستشهد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، فقد تبارى السياسيون الصرب، وعلى رأسهم ميلوراد دوديك، العضو في مجلس الرئاسة البوسني، في تمجيد ميلاديتش وكاراجيتش، ولم يفوت مؤتمرا صحفيا إلا وكرر بأن ما حدث في سربرنيتسا ليست إبادة جماعية، وتمادى في ذلك لدرجة أنه أزاح الستار عن لوحة افتتاح مركز طلابي في إحدى المناطق الصربية حيث كتب عليها “مركز رادوفان كاراجيتش”.

وفي يوليو/تموز 2021، قام المندوب الأممي، الذي عُين بناء على اتفاق دايتون ممثلا للأمم المتحددة في البوسنة والهرسك للفصل في القضايا الخلافية، بإصدار قانون لتجريم نفي حدوث الإبادة الجماعية في سربرنيتسا، وتجريم تمجيد مجرمي الحرب.

هذا القانون مثّل صفعة قوية لدوديك أضعفت من شعبيته، فكان رده عنيفا حيث طالب بإلغاء القانون وإلا فسيقوم هو وجميع الموظفين الصرب بمقاطعة المؤسسات المركزية للدولة، والتي تعد من أهم نتائج “اتفاق دايتون” وتشمل الجيش والمخابرات ومصلحة الضرائب والمحكمة الدستورية. كما هدد بإقامة مؤسسات موازية.

كيف ينظر البوسنيون لتهديدات دوديك، وهل يمكن أن تندلع الحرب ويتكرر سيناريو 1992؟

يرى البعض أن “دوديك” يسعى، بذلك، لزيادة شعبيته قبل الانتخابات العامة في أكتوبر/تشرين الأول 2022، لا سيما أن حزبه مُني بخسارة كبيرة في الانتخابات المحلية الأخيرة، كما يحاول الهروب من قضايا الفساد التي تلاحقه بقوة، طبقا لما جاء في القرار الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية.

لكن السياسيين البوسنيين يجمعون على ضرورة النظر بجدية للتصريحات المستمرة التي يطلقها دوديك، وأنه لابد أن يواجه بإجراءات رادعة. على الرغم من ذلك لا يعتقد أحد أن سيناريو 1992 قابل للتكرار، لعدة أسباب، نورد أهمها فيما يلي:

أولا- الصرب:

سواء صرب البوسنة أو صربيا نفسها، هم اليوم أضعف بكثير عن ذي قبل، فمن الناحية العسكرية لا يوجد الجيش اليوغسلافي القوي. أما اقتصاديا فيكفي أن نعلم أن صربيا تعاني لاعتماد 80% من اقتصادها على أوروبا.

ثانيا- الكروات:

انضمت كرواتيا لدول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وبالتالي فهي مجبرة على التصرف بمسؤولية أكبر، ولا يمكن أن تجرهما إلى صراع عسكري في البوسنة. لهذا يكتفي مسؤولو كرواتيا ببعض التصريحات المستفزة من وقت لآخر، بهدف حصد أصوات كروات البوسنة الذين يحملون الجنسية الكرواتية.

ثالثا- البوشناق:

عندما سُئل بكر عزت بيغوفيتش: على ماذا تعولون؟ أجاب “على المجتمع الدولي، لا سيما القوى الضامنة لاتفاق دايتون، ولدينا دول صديقة لديها حضور قوي في المنطقة، وقبل كل شيء نحن نعتمد على الله، ثم على قوتنا واستعدادنا”.

وأضاف “نحن لا نريد الحرب، لكننا لا نخشاها، لقد طورنا، الفترة الأخيرة، صناعاتنا الدفاعية، ولدينا الإمكانية أن نقوم بتسليح 100 ألف شخص خلال فترة قصيرة”.

فإذا أضفنا إلى ذلك الصحوة الثقافية والدينية التي شهدتها البوسنة والهرسك فترة ما بعد الحرب، والتي أنتجت مئات الآلاف من الشباب المثقف الواعي المتدين، أدركنا الفرق الكبير بين قوة المجتمع البوشناقي الآن وما كان عليه عام 1992.

رابعا. المجتمع الدولي:

أميركا: تعاملت واشنطن مع تصريحات دوديك بجدية، وجاء رد فعل الرئيس جو بايدن سريعا، حيث أصدرت وزارة الخزانة قرارا في يناير/كانون الثاني 2022، بوضع دوديك وعدد من معاونيه على قائمة العقوبات الأميركية، وأشار القرار إلى أن العقوبات ستمتد إلى كل من يدعم دوديك في تصريحاته باتخاذ إجراءات “مضادة لاتفاق دايتون”.

أوروبا: نتيجة لاتفاق دايتون، توجد على أرض البوسنة قوات عسكرية أوروبية (EUFOR) تتكون من 600 فرد، قابلة للزيادة بحسب الحاجة، وتتمركز قيادة تلك القوات في مقاطعة “برتشكو” على الطريق الحيوي الواصل إلى بلغراد.

تركيا: لا يختلف اثنان أن تركيا هي الدولة الصديقة التي قصدها عزت بيغوفيتش، في تصريحاته، فأنقرة حاضرة وبقوة في المنطقة سياسيا واقتصاديا وحتى عسكريا.

ومن الجدير بالذكر أن من بين قوات “EUFOR” يوجد 240 تركيا، يتمركز العدد الأكبر منهم في قاعدة “بوتمير” بالقرب من مطار سراييفو الدولي. وقد صرح وزير الدفاع خلوصي أكار، أثناء زيارته للبوسنة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، بأن بلاده لن تسمح بأي أنشطة قد تهدد استقرار وسلامة البوسنة ووحدة أراضيها، وأضاف أنه جار بحث زيادة التعاون العسكري بين البلدين.

إذن، ماذا يمكن أن يفعل دوديك، وما السيناريو الأسوأ؟

بالنظر إلى التحليلات السابقة وغيرها، نجد أن دوديك ومؤيديه يسعون للضغط من أجل الحصول على مكاسب سياسية واقتصادية، من أهمها:

  • إصدار قانون يسمح بخصخصة ممتلكات الدولة الموجود في “جمهورية صربسكا”.
  • تعديل قانون تجريم إنكار الإبادة الجماعية في سربرنيتسا ليشمل كل الجرائم ضد الإنسانية التي حدثت في البوسنة من أي طرف، في إشارة إلى أن هناك جرائم قد ارتكبت بحق الصرب.
  • نقل اختصاصات المحاكم المركزية، ومنها نظر القضايا المتعلقة بالفساد إلى المحاكم المحلية.
زر الذهاب إلى الأعلى